الصفحة 19 من 145

خِفْتُ أنه إنْ لم يقتل يَنْحَلُّ نظامُ الإسلام على انتهاك المحارم في نهار رمضان، فأفتيت بقتله فقُتل، ثم ظهر فيما بعد أنه كان يهوديًا وأنه أظهر الإسلام )) .

فالشيخ رحمه الله والأمراء الذين راعهم ذلك الانتهاك الصريح لشعائر الإسلام علانية وأوقفوا الشيخ على حقيقة الأمر قبل أن يقطع بالفتوى؛ كلُّهم لم ينظروا إلى حكم إفطار المعيَّن في رمضان، وإنما فقهوا أمرًا أعظمَ من ذلك وهو أنَّ باب الجراءة على شعائر الإسلام علانية لا ينحسم بعقوبة مَنْ أفطر ولم ينتهك، وإنما يجب أن يعاقب على انتهاك شعائر الإسلام عقوبةً رادعة لها وقعٌ في الصدور ودَوِيٌّ في الآفاق تحفظ ظهور الإسلام وشعائره.

فالفتوى عند أئمة الفتوى هي لهداية الخلق ولحفظ نظام الشريعة من الانحلال، وعند أحمد بن قاسمٍ وأمثاله فتحٌ لكلِّ بابٍ قدروا عليه لتنتهك به شعائر الإسلام ومحارم الله.

وفَوْضَى الفتاوى التي يطلبها أحمدُ بن قاسم وأمثاله وترعاها الصحافة ليس من شأنها أنْ تُحِلَّ انتهاكَ الشعائر والمحارم وحسب؛ بل من شأنها أن تنقضَ كُلَّ أصول الإسلام علميةً كانت أو عملية، ومن شأنها كذلك أنْ تنقض الأصلَ الشرعي الذي قامت عليه جماعة المسلمين وإمامها في هذه البلاد.

فإنه إذا اسْتُنْسِخَ منهجُ أحمد بن قاسم وأصحابه من مسائلهم التي أرادوا نقضَ محكماتها ثم اسْتُعْمِلَ في مسائلَ يريدُ غيرُهم أن ينقضَ محكماتها، كلزوم البيعة والسمع والطاعة والخروج على ولاة الأمور وغيرها، فإنه لا سبيلَ إلى منع ذلك، لأنَّ عند غيرهم انتزاعًا من النصوص ومشتبهًا من أقوالِ أهل العلم كالذي عندهم وأشدَّ إشكالًا واشتباهًا مما عندهم.

فهذا المنهج آلةٌ تصلح لكلِّ فوضى يريدها مستعملُه، وتركُه يعبث بعقول الناس وقلوبهم فسادٌ وتضييعٌ وغِشٌّ لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

وكثيرٌ ممن تَلَقَّى كلامَ أحمد بن قاسم من أرباب الصحافة يدركون أنَّ منهجَه منهجٌ ناقضٌ لأصلِ بناءِ الجماعة التي تألَّفَ عليها أمرُ هذه البلاد، وهم يدورون على هذه الغاية ويسعون إليها بكلِّ سبيل؛ لأنَّهم قد عُلِّموا أنَّ انتقاضَ أمرِ الإسلام وتداعيه من أطرافه لن يكون إلا بانتقاضِ قلبه النابض وهو هذه البلاد بجماعتها وتأليفها، وأنَّ أمرَ هذه البلاد إنما ينتقض بانتقاض المنهج العلمي الذي بُنِيَتْ عليه جماعتُها وشرعيةُ اجتماعِها على إمامها.

ذلك أنَّ جزيرةَ العرب منذ أنْ عادت قرونًا مديدة إلى حال الفوضى والتفرُّق والشتات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت