صار قلبُ الإسلام جريحًا مريضًا وصارت بلادُ المسلمين مَرْتعًا للفتن وأخَذَ بناءُ المسلمين يتناقص ويؤكل من أطرافه، ثم لم ينتظم أمرُها جميعًا قطُّ على إمامٍ واحدٍ يقيمُ الدين ويؤمِّن السبيل إلى القرن الثاني عشر الهجري حين قامت الدولة السعودية الأولى.
فكان حدثًا تاريخيًا هائلًا عظيمًا أنْ تعجزَ الدُّوَلُ التي بيَدها الأموالُ والجيوشُ النظاميةُ الجَرَّارةُ عن ضبط أمرِ هذه الجزيرة، لا بل عن القَدْرِ الأدنى من تأمين طرق الحجِّ والتجارة، فلا يقدرَ أحدٌ أنْ يخترقها آمنًا إلا بحاميةٍ تحميه أو خُفارةٍ تُجِيزُه؛ ثم يقيمَ أمرَها إقامةً باهرةً دينًا ودنيًا رجالٌ بلا أيِّ إمكاناتٍ، ومواردهم أصفارٌ أو تحت الأصفار، ثم تنتظمَ على ذلك أحسنَ انتظام فيخرجَ الراكبُ من أقصى جزيرةِ العرب إلى أقصاها لا يخشى إلا اللهَ والذئبَ على غنمه.
فإنْ كان مِن الناس مَنْ يمرُّ بهذا الأمرِ غيرَ آبهٍ ولا مكترث؛ فإنه ليس كذلك عند أولي الألباب، بل هو أمرٌ طالما حيَّر ألبابَ المؤرخين لأنهم يعلمون أنَّ جمعَ شتات جزيرة العرب واستتبابَ أمرها ليس سَمَرًا بليلٍ ولا أُحدوثةَ راكب!
وما كان لدولةٍ أنْ تصنع ما صنعت الدولة السعودية وقد أعجز الدُّوَلَ من قبلها لولا أنها قامت على أساسٍ عظيم؛ هو أقامها أولَ مرَّة، وهو أعادها ثانيةً وثالثةً، وهو أعجزَ أعداءها يوم أسقطوها أنْ يَسْتَتِبَّ لهم قيادُها بغيرِه حتى اضطُرُّوا صاغرين أنْ يُخَلُّوا بينها وبين أهلها.
وليس ذلك الأصلُ إلا إقامةَ أصل الملة (التوحيد) ، ثم بناءُ الشريعة عليه، ثم تألُّفُ الجماعة على ذلك، فكان ذلك بحقٍّ أعظمَ إنجازٍ حققته الأمة في عصرها الحديث؛ به تغيرت حالُ المسلمين العلمية والدينية تغيُّرًا عظيمًا لا ينكرُه أو يتقالُّه إلا مُوغِلٌ في الظلم والإجحاف، وبه تحقَّق لجزيرة العرب وأهلها من الاجتماع والانتظام أمرٌ كان يُعَدُّ ضَرْبًا من المحال.
ويأبى الله تعالى أن تكونَ إقامةُ أصل الدين والشريعة وانتظامُ الجماعة نتيجةً لفوضى علمية، فالفوضى لا تَلِدُ إلا الفوضى، وإنما هو منهجٌ علميٌّ سُنِّيٌّ جَمَاعيٌّ؛ تأسَّست عليه الدولة ورعاه أئمتها وعلماؤها وتوارثوه جيلًا بعد جيل.
وجزيرةُ العرب أمرُها عظيم؛ فإنَّ الله تعالى جعلها معقلَ الملةِ الحنيفية، وهي بلادُ العرب من ذرية إبراهيم - عليه السلام -، ولذلك لم ينتظم ولن ينتظم أمرُها لأحدٍ قطُّ بغير ملة التوحيد، وهذا التاريخُ بين يديك فقلَّب صفحاته إن شئت.
فلا يمكن أنْ يشتدَّ أمرُ الملة الحنيفية وجزيرة العرب ضعيفةٌ جريحة، ولا يمكن أنْ يستتبَّ أمرُ جزيرة العرب وتلتئمَ جماعتُها بغير قيام أصل الملة وبناء الشريعة، ولا يمكن أن تقوم الشريعة بغير