الصفحة 66 من 145

وكان تعمُّد الرجال الأجانب التعرُّض للنساء وتكليمهنَّ ريبةً لا يتساهلون فيها بل تُسفك فيه الدماء وتُسْعَر من جَرَّائه الحروب، وأيام الفِجَار من أشهر حروبهم في الجاهلية كانت بسبب أمرٍ من ذلك.

حال نساء العرب في لباسهن:

من الناس من يفهم من الشريعة معانيَ غير صحيحة فيلتزمها، فمن الناس من ظنَّ أنَّ قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31] أمرٌ للنساء بلبس الخُمُرٍ، ثم ظنَّ أنَّ نساءَ العرب ومنهن نساء المؤمنين لم يكُنَّ قبل نزول الآية يلبسنَ الخُمُر وأنهنَّ كنَّ يمشين في الناس لا يسترنَ شيئًا من رؤوسهنَّ.

وهذا بعيدٌ من الآية، فإنَّ الآية ذكرتْ خُمُرًا نسبتها إلى المؤمنات نسبةً تدُلُّ على لزومهنَّ إياها في قوله: {بِخُمُرِهِنَّ} ، وأمرتهنَّ أن يضربنَ بها على جيوبهنَّ، فالمأمورُ به هو الضربُ بها لا لُبْسها، فإنَّ اللبس حاصلٌ منهنَّ قبل ذلك.

خمار الرأس لا تضعه عربيةٌ قطُّ بين الأجانب:

لم تكن حُرَّةٌ عربيةٌ قطُّ تُرَى من غير خمار إلا أن تكون عند ذي محرمٍ أو عند نساء، أما كشف المرأة شعرها ومَشْيها بين الناس حاسرةً فذلك شيءٌ لم يكونوا يعرفونه قطُّ، بل ولا كان معروفًا عند أكثر الأمم المجاورة لهم، وإنما قد يكون من شيمة البغايا في مواخيرهنَّ والخمَّارات في بيوتهنَّ وحوانيتهن، وقد يكون في بعض الأمم البهيمية المنعزلة التي انقطع عهدها بالنبوات.

ففي كلام العرب المَثَلُ السائر: (( العوانُ لا تُعَلَّم الخُمْرَة ) )، أي إنَّ المرأةَ البالغة لا تُعَلَّم لُبسَ الخمار فهي لشدة ملازمتها له صار طبعًا لها وسجيةً من سجاياها، فمن يريد أن يعلِّمها إياه كمن يريد أن يعلِّم الكاتب الإمساك بقلمه.

بل إنهم يَكْنُون بلُبْس الخمار عن النساء لأنه لا يفارقهنَّ قط، قال المُرارُ بن منقذ [1] :

وَهَوَى القلبِ الذي أَعْجَبَهُ ... صورةٌ أحسنُ مَنْ لاثَ الخُمُرْ

لاثت خمارَها أي أدارته على رأسها فثبَّتته عليه، يقول إنَّ تلك المرأة وهي

(1) المفضليات (ص 89) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت