عنها قالت: Mلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة قدمها وهي أوبأُ أرض الله من الحُمَّى، فأصاب أصحابَه منها بلاءٌ وسُقْم فصرف الله تعالى ذلك عن نبيه - صلى الله عليه وسلم -، قالت: فكان أبو بكر وعامرُ بن فهيرة وبلالٌ مَوْلَيا أبي بكر مع أبي بكر في بيت واحد فأصابتهم الحُمَّى، فدخلتُ عليهم أعودهم، وذلك قبل أنْ يُضْرَب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك L.
فبيَّنت بيانًا صريحًا أنها إنما دخلت عليهم لأنَّ الحجابَ لم يفرض، فلما فُرِضَ لم يَحِلَّ لها أن تدخل عليهم، فتبيَّنَ أنَّ امتثالَ النهي عن الدخول على النساء لا يكون إلا أن يحولَ بين الرجال وبين النساء حجابٌ يواريهنَّ.
والحديث يدلُّ كذلك على أنَّ دخولَ النساء على الرجال كدخول الرجال عليهنَّ، وأنَّ الحجابَ هو ما يحول دون الأمرين.
وأخرج البخاري [1] عن أنس - رضي الله عنه - عن عمر - رضي الله عنه - قال: Mيا رسولَ الله؛ إنه يدخلُ عليك البَرُّ والفاجر فلو أمرتَ نساءك بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب L.
وهذا صريحٌ أنَّ المسلمين بعد نزول الحجاب صاروا لا يدخلون على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلا وهنَّ وراءَ الحجاب، وكانوا قبل ذلك يدخلونَ عليه وهُنَّ بالبيت قد يرون أشخاصهنَّ فيكونون داخلين عليه وعليهنَّ.
فثبت بدلالة السنة أنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم - Mإياكم والدخولَ على النساءَ L؛ معناه: إياكم أن تدخلوا عليهنَّ ولا حجابَ يواري أشخاصهنَّ عن أبصاركم.
2 -تفسير الدخول بالخلوة من تحريف الكَلِمِ عن مواضعه:
الخلوة حرَّمها الله تحريمًا مستقلًا بنصوصٍ أخرى، والذين استحلُّوا ما حرَّم الله ورسوله من الدخول على النساء يريدون أن يُبَدِّلوا كلامَ الله فزعموا أنَّ اللهَ إنما حرَّمَ الخلوة لا الدخول، وهذا من تحريف الكَلِم عن مواضعه لأنَّ الفرق بين الدخول وبين الخلوة ثابتٌ باللسان العربيِّ المبين، وبالسنة المحكمة كذلك.
(1) صحيح البخاري (رقم 4512) .