على النساءَ، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله؛ أفرأيتَ الحمو؟ قال: الحمو الموت L.
فالتحريم جاء بأشدِّ أساليبه Mإياكم L وهي تحذيرٌ من مقاربة العمل لا من فعله وحسب، مقترنًا بالوعيد والإعذار، ثم قطع كلَّ سبيلٍ للتسهيل في أمر هذا المحرَّم أو الاستثناء فيه فوصف الحمو وهو عادةً من الأقربين المأمونين بأنَّ دخوله هو الموت، أي هو مخالفةٌ وخَرْقٌ صريحٌ لما حرَّم الله ورسوله.
والمراد في هذا المطلب بيان معنى"الدخول على النساء"، وأولى وأحقُّ ما فُسِّرَ به كلامُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - هو كلامُه، وما كان من امتثال أصحابه لأمره، وذلك ما سنبيِّنُ به معنى الدخول على النساء لمن التبس عليه:
1 -النهي عن الدخول على النساء أمرٌ بالحجاب:
أخرج الإمام مسلم [1] من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: Mكان يدخل على أزواج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مخنَّثٌ فكانوا يَعُدُّونه من غير أولى الإربة، فدخل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يومًا وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة؛ قال: إذا أقبلتْ أقبلتْ بأربع وإذا أدبرتْ أدبرتْ بثمان، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا لا يدخلنَّ عليكن، قالت: فحجبوه L.
فعلمنا من صريح كلام أمِّ المؤمنين رضي الله عنها أنَّ امتثال قوله: (لا يدخل) لم يحصل إلا بحجب الرجل عن أصل الدخول لا بتغطية الوجه إذا حضر، أي فلا يتمكَّن من رؤية أشخاصهنَّ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (لا يدخلنَّ عليكن) مثل قوله: (إياكم والدخول على النساء) سواء.
وأخرج ابن إسحاق في السيرة بإسنادٍ صحيحٍ متَّصل [2] عن عائشة رضي الله
(1) صحيح مسلم (رقم 2181) .
(2) سيرة ابن هشام (1/ 588) يرويه ابن إسحاق قال: (( حدثني هشام بن عروة وعُمَر بن عبد الله بن عروة، عن عروة بن الزبير عن عائشة ) )، وعمر بن عبد الله بن عروة من رجال الصحيحين وفيهما روايته عن جده عروة، والحديث في مسند الحميدي (رقم 223) عن سفيان بن عيينة، وفي مسند الإمام أحمد (6/ 260) عن حماد بن زيد، وفي مصنف ابن أبي شيبة (5/ 275) عن عَبْدة بن سليمان، وثلاثتهم أئمة حفاظ؛ كلُّهم يرويه عن هشام بن عروة فلم يذكروا قولَ عائشة إنها دخلت عليهم، والحديث في صحيح البخاري (رقم 5330) مختصرًا عن مالك الإمام عن هشام بن عروة وفيه قول عائشة فدخلت عليهما تعني أباها وبلالا، فيدلُّ مجموع ذلك على أنَّ الرواة يختصرون السياقَ لأنَّ هذه التفاصيل ليست هي الشأنَ الذي سيق له الحديث، وإنما الحديث في رواية ما كان بهم من شدة الوَعْك.