الصفحة 72 من 145

وقد كان الأمر كما ظنَّ توبة فقد أنذرته أنه مطلوبٌ ليُقتل، وإنما فعلت ذلك لتستنفره فلا يُسَهِّل الأمرَ ويأخذه بجِدِّه لكنه قُتِل وكان حَدَثًا جَلَلًا.

ومن ذلك ما قال ناهض بن ثومة الكلابي يذكر حربًا بينهم وبين فَزارة [1] :

فلو شاهدتِ يوم مُرَامِراتٍ ... سُلَيمى لافتخرتِ على الغَوَاني

لأَدْنَيتِ القِناع ولم تُرَاعي ... وأسبغتِ اللباسَ على البنان

يقول لو شهدتِ ذلك اليوم لسرَّكِ ولعلمتِ من أوله أنَّ الغَلَبة لنا فلم تكوني على أُهْبةٍ وتَرَقُّب بل لكُنْتِ مطمئنةً على غاية ما تَتَستَّر به المرأة في أحوالها المعتادة من إدناء القناع على الوجه وستر أطراف البنان.

الوجه الثالث: ستر الوجه هو الفرق عندهم بين الحرائر وبين الإماء؛ قال سَبْرةُ بن عمرو الأسدي الفقعسي، وهو جاهلي؛ يخاطب ضمرة بن ضمرة التميمي النهشلي [2] :

ونِسْوتكمْ في الرَّوْع بادٍ وُجُوهُها ... يُخَلْنَ إماءً والإماءُ حَرائرُ

قال المرزوقي في شرح البيت [3] : (( المراد: نساؤكم تَشَبَّهْنَ بالإماء مَخافةَ السِّبَاء حتى تَبَرَّجْن وبَرَزْنَ مكشوفاتٍ ناسياتٍ للحياء وإن كُنَّ حرائر .. ،(والإماءُ حرائرُ) : واللاتي يُحْسَبْنَ إماءٍ حرائرُ )).

فدلَّ على أنَّ ستر الوجوه هو فرق ما بين الحُرّة والأمة عندهم.

وقال الفرزدق يهجو بني يربوع ويذكر سَبْيًا سَبَتْهُ تغلبُ منهم في الجاهلية [4] :

تَرَى للكُليبيات وَسْطَ بيوتهم ... وُجُوهَ إماءٍ لم تَصُنْها البراقعُ

والفرزدق ومَنْ يهجو كلُّهم من بني حنظلة من بني تميم؛ عاداتُهم واحدة، وهو يذكر أمرًا كان في الجاهلية يزعم أنه كما وصف، فدلَّ على أنَّ شيمة الحرائر عندهم هي صيانة وُجوههنَّ بالبراقع منذ الجاهلية.

وكانت تلك أيضًا شيمةَ بني تغلب، وكانوا قد تنصَّروا لكنهم لم يدَعُوها

(1) التعليقات والنوادر لأبي علي الهجري (2/ 892) ، وناهض توفي سنة 220 هـ تقريبًا، فقد أدرك القرن الثالث الهجري لكنهم كانوا أعرابًا عادوا إلى جاهليتهم بعد أن أهملتهم الدولة العباسية كلَّ الإهمال.

(2) ديوان الحماسة مع شرح التبريزي (1/ 81) .

(3) شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (1/ 173 - 174) .

(4) نقائض جرير والفرزدق لأبي عبيدة معمر بن المثنى (2/ 121) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت