الصفحة 73 من 145

وجاء الإسلام وصاروا أهلَ ذمةٍ وهي شيمةٌ باقيةٌ في نسائهم؛ قال الأخطل [1] :

أَنِفْتُ لبيضٍ يَجْتليهنَّ ثابتٌ ... بدَوْغانَ يهفو قَزُّها وحريرُها

إذا أعْرَضَتْ بَيْضاءُ قال لها اسْفِري ... وكانتْ حَصَانًا لا يُنالُ سُفُورُها

قال أبو سعيد السكري [2] : (( دوغان موضعٌ بالجزيرة، وثابتٌ مولى لبني أمية، وكان بُعِثَ في أُعْطيات النساء فقال: لا أعطيهنَّ حتى يَسْفِرْنَ، ودوغان سوقٌ بالجزيرة تقوم في كلِّ شهر، فقُتِلَ ثابتٌ هذا ) ).

والأخطل وقومه"تغلب"إذ ذاك عامتهم نصارى بالجزيرة الفراتية، ولكنهم يتوارثون هذه الشيمة من أسلافهم"ربيعة"بجزيرة العرب، فسُفُورُ الوجه عندهم ليس من شيمة الحرائر.

بل إنَّ هذا المسكين ثابتًا لما اجترأ على ما اجترأ عليه وزعم أنه يريد أن يستثبت أنَّ الآخذةَ امرأةٌ عَدَّتْ تغلبُ ذلك عارًا لا يغسله إلا الدم فقتلوه.

ولا أَدَلَّ على ما قال الأخطلُ من أنَّ جريرًا هجا الأخطلَ فقال [3] :

أيفخرُ عَبْدٌ أُمُّه تغلبيةٌ ... قد اخْضَرَّ من أكْلِ الخنانيصِ نابُها

غَليظةُ جلْدِ المِنْخَرَيْنِ مُصِنَّةٌ ... على أَنْفِ خِنزيرٍ يُشَدُّ نِقابُها

ولو قَدِر جريرٌ أن يُعَيِّرَهنَّ بالسُفور لفعل، فالشعراءُ يفتعلون المعايب فكيف إذا ظَفِروا بها؟ لكنه زعم ما زعم، فدلَّ على أنَّ التغلبيّات وهُنَّ على نصرانيتهنَّ كُنَّ يلزمن النقابَ ولا يَسْفِرْنَ عن وُجُوهُهنَّ كالذي قال الأخطلُ سواء.

فتبيَّن أنَّ نساء قريشٍ وأمثالهنَّ من نساء العرب لم يكُنْ من عادتهنَّ أن يَسْفِرْنَ عن وجوههنَّ في جاهليةٍ ولا إسلامٍ، وأنَّ سَتْر النساء وجوهَهنَّ هو كان الأمرَ المعتادَ في بني مَعَدٍّ، وهو من صالح الأخلاق الذي أتمه الله عليهم بهذا الدين، فأقرَّه ونقله من العادة إلى الفريضة.

وعليه فمن ظنَّ أنَّ امتثالَ المهاجرات الأُوَل المنوَّهَ به لأمرِ الله تعالى للنساء بضرب الخمر على الجيوب كان بستر نحورهنَّ أو شعورهنَّ بعد أن لم يكُنَّ يفعلن

(1) شعر الأخطل، رواية أبي سعيد السكري عن شيوخه (ص 468) ، والبيتان من رواية أبي عمرو الشيباني.

(2) شعر الأخطل (ص 468) .

(3) ديوان جرير، رواية ابن حبيب وشرحه (ص 675) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت