ولا ريب أنَّ خيار الناس في الجاهلية وأقومهم أخلاقًا وعاداتٍ هم قريشٌ الذين اصطفى الله منهم نبيَّه - صلى الله عليه وسلم -، قال الله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124] ، وفي صحيح مسلم [1] عن واثلة بن الأسقع - رضي الله عنه - عن ... النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قال: Mإنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم L.
والدلالة على أنَّ نساء بني مَعَدٍّ كُنَّ يلزمنَ ستر وجوههنَّ منذ الجاهلية بثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنه هو لباس نسائهم الذي لا يفارقهنَّ؛ قال المثقِّب العَبْدي، من عبد القيس من ربيعة حاضرة البحرين، وهو جاهليٌّ قديمٌ جدًا [2] :
ظَهَرْنَ بكِلَّةٍ وسَدَلْنَ أُخْرَى ... وثَقَّبنَ الوَصاوِصَ للعيون
وهذا البيت من أصحِّ ما يُرْوَى من شعر الجاهلية ويكاد يكون متواترًا عن قائله لأنه اقترن بلقبه الذي صار عَلَمًا عليه فهو إنما لُقِّب"المثقِّب"بهذا البيت، فكلُّ من يذكره من أئمة العلم بلسان العرب إنما يُعَرِّفه بهذا البيت، وهو يذكر لباسَ من يُشَبِّب بهنَّ من النساء أنه الوصاوص وهُنَّ البراقع الضيقة الأعين.
قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم [3] : (( إذا كان النقاب لا يبدو منه إلا العينان فقط فذلك الوَصوصة، واسم ذلك الشيء الوصواص .. ، والوصاوص والبراقع كانت لباسَ النساء ) ).
وقال أبو دُواد الإياديُّ وهو جاهليٌّ قديمٌ جدًا، وإيادٌ من نزار بن مَعَدِّ، وهم أول من نزل العراقَ من بني مَعَدٍّ؛ يذكر نساءً يُشَبِّب بهن [4] :
وَيَصُنَّ الوُجُوهَ في المَيْسنانِيْ ... يِ كما صانَ قَرْنَ شمسٍ غَمامُ
والميسنانيُّ ضربٌ من الثياب الجياد، يقول إنهنَّ منعَّماتٌ فيسترنَ وجوههنَّ بما يليق بهنَّ من جيِّدِ الثياب لا كغيرهنَّ من النساء.
(1) صحيح مسلم (رقم 2267) .
(2) المفضليات (ص 289) .
(3) غريب الحديث لأبي عبيد (4/ 464) .
(4) الأصمعيات (ص 186) .