الإسلام بأكثرَ من ستين سنة [1] :
إني أَرِقْتُ فلم أُغَمِّضْ حَارِ ... من سَيِّءِ النبأ الجليلِ الساري
مِنْ مثلهِ تُمْسي النساءُ حواسرًا ... وتقومُ مُعْوِلةٌ مع الأسْحار
يقول: مِثْلُ هذا الخبر يجعل النساء ينُحْنَ ويشقِّقن خُمُرهن وثيابهن، على ما كان من أمر الجاهلية، فتبدوا عند ذلك شُعُورهن ويَصِرْنَ حاسرات.
والشواهد في هذا كثيرة؛ كلُّها تدلُّ أنَّ حَسْرَ المرأة الخمار عن رأسها كان عند العرب دليلًا على فزعٍ وهولٍ أو مصيبةٍ نزلت بها فأنَّى لأحدٍ أن يَظُنَّ أنَّ نساء المؤمنين كُنَّ يوم نزل القرآن يغدونَ ويَرُحنَ حاسرات الرؤوس!
نساء بني مَعَدٍّ كُنَّ يسترن وجوههنَّ منذ الجاهلية:
بنو مَعَدٍّ هم قريشٌ ومن شاركها في عمود نسبها في إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، أي هم من سمَّاهم النسابون المتأخِّرون العربَ العدنانية، وهم ربيعة ومُضَر، وقد كانوا هم ولاةَ البيت وأهلَ الحرم ومنه تفرقوا في البلاد، وكان إليهم ينتهي عِدادُ المفاخر، فإنَّ الشعراء من عادتهم إذا افتخروا أن يشفعوا ذكرَ المفخرة بقولهم:"قد عَلِمتْ مَعَدٌّ"، أي قد شهِد بما نذكر رؤوس بني مَعَدِّ فتكون مفخرةً معروفةً غيرَ منكرةٍ ولا مدفوعة.
وقال عمر - رضي الله عنه - فيما أخرجه الإمام أحمد بإسناد غايةٍ في الصحة [2] : Mعليكم بالمَعَدِّية L، ورُوي عنه بألفاظٍ وطرقٍ أخرى.
ومعناه والله تعالى أعلم: عليكم بالشيم والأخلاق المعدية، لأنَّ شيمهم وأخلاقهم كانت أقومَ شيم الناس فإذا اجتمع إليها الفقه كانت خيرًا محضًا.
وفي الصحيحين [3] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: Mتجدون الناس معادنَ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا L.
(1) الأبيات يرويها أبو عبيدة معمر بن المثنَّى كما في الأغاني (17/ 196) ، وهي في ديوان الحماسة (1/ 412) .
(2) مسند الإمام أحمد (1/ 43) .
(3) صحيح البخاري (رقم 3304) ، وصحيح مسلم (رقم 2526) .