الصفحة 60 من 145

كان من المرأة ما كان، ثم لما فَجَأَها زوجُها {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف:25] .

فلم تظنَّ بزوجها أن ينتقم بأشدَّ من السجن أو العذاب، ولو علمت عنده مثل ما عند سعد بن عبادة - رضي الله عنه - لقالت غير ذلك.

وهو لم يخيِّب ظنَّها فلم يكن منه بعد أن علم العلمَ اليقينَ أنه من كيدها إلا أن قال: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [يوسف:29] ، وقال لها: {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} [يوسف:29] ، فعاد الأمرُ على حافرته ... فقالت بعد ذلك: {وَلَئِنْ لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف:32] ، ثم لما عصمه الله وعجزتْ سجنوه.

فليت شعري ما يريدُ أحمدُ بن قاسم حين يقول: (( كلُّ خلوةٍ تنتفي فيها التهمة لا يتحقَّق فيها النهي على الصحيح وإنما المحرم منها ما تحققت فيه التهمة فقط ) )؛ أيريدُ: إذا تحقَّقَ أحدٌ كما تحقَّق العزيز وعلمَ أنه من كيدهنَّ فعند ذلك تحرم الخلوة أم ماذا يريد؟!

فيا أيها القارئ اللبيب؛ هذا ما أوجزت بين يديك من غايات الشريعة وسَنَنها في السَّيْر بالأمة سيرًا حثيثًا إلى الرتبة العليا من طهارة القلوب، ومن شيم أهل الحشمة والغيرة التي جعلها الله قدوةً للصالحين، وهذا بَيْنَ يديك ما كَتَبَ أحمدُ بن قاسم وصاحبُه فانظر هل ترى شبهًا أو مقاربة؟!

الشريعةُ تَتَبَّعُ الأبوابَ المفضية إلى الفساد فتُغْلقها، وهما يتتبَّعان من المتشابه كلَّ ما يظنَّان أنه يكسر الأبواب المغلقة ويفتحها!

أئمةُ السنة والجماعة يتحرَّون التفقُّه فيما أمرت به الشريعة ونهت عنه فيُعْنَون به ويبينونه للناس ويُفَقِّهونهم في معانيه، وهما يحيدان عن ذلك كلِّه ويتحرَّيان ما غفل عنه أئمة الشريعة من المتشابه ليفتنا به الناسَ عما علَّمهم أئمةُ السنة والجماعة!

أئمةُ السنة يأمرون الناس بالمعروف الذي تتابع عليه أهلُ العلم وتطمئنُّ إليه قلوب المؤمنين، وهما يأمران بالمنكر الذي لم يعرفه الناسُ قطُّ وتنفر منه قلوبُ المؤمنين ويأباه كلُّ ذي فطرةٍ سويَّة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله [1] : (( معاشرة الرجل الأجنبي للنسوةِ ومخالطتُهنَّ

(1) جامع المسائل، تحقيق عزير شمس (5/ 219) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت