الصفحة 59 من 145

رجلٌ بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان L.

وقوله Mإنَّ الله برَّأها من ذلك L أي من أن تكون من أهل التساهل في المخالطة، فهذه غيرة الصدِّيق - رضي الله عنه -؛ لم يَرَ إلا خيرًا، ولا تساهلَ من أهله، فكان في غيرته ما بعث سببًا من أسباب التشريع الحكيم.

وفي صحيح البخاري [1] عن جابر - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: Mدخلتُ الجنة فأبصرت قصرًا، فقلت: لمن هذا قالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك L، وفي رواية أبي هريرة: Mفإذا امرأةً تتوضأ في جانب القصر فقلت لمن هذا قالوا هذا لعمر فذكرت غيرته فولَّيت مدبرا L.

فهذه غَيْرَة الفاروق في مثل تلك الحال؛ قد عَلِمها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ورضيها وأثنى بها عليه، فأين ذلك ممن يرضى لنساء المسلمين أنْ يتوضأن مع الرجال وإنْ توضأ معهنَّ كلُّ فاسق؟!

وفي الصحيحين [2] عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - لما ذكروا مَنْ لقي مع امرأته رجلًا فقال سعد بن عبادة الخزرجي - رضي الله عنه: والله لأضربنَّه بالسيف، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: Mأتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير من سعد والله أغير مني L.

فهذه غيرة أكمل هذه الأمة؛ نبيها - صلى الله عليه وسلم -، ثم أكمل الأمة بعده أبو بكرٍ وعمر، وغيرة سيدٍ من أكابر الأنصار، كلما ازداد فضل الرجل وسؤدده عظمت غيرته وحميته لحرماته ولحرمات المسلمين وكان ذلك كمالًا فيه.

ويقابل هذه الغيرة ما قصَّ الله علينا من خبر المتساهلين في الغيرة وفيه عبرةٌ لأولي الألباب، فقد قصَّ علينا ما لقي يوسف - عليه السلام - من الابتلاء العظيم من جراء ذلك فعصمه الله وصرف عنه السوءَ والفحشاء.

وكان ما ابتلي به يوسف - عليه السلام - سببه ما كان من عزيز مصر، وهو رئيسٌ دون المَلِك؛ من قلة الغيرة والتساهل في أمرها، فإنه لم يأبه بما يرى من أسباب الفتنة حتى

(1) صحيح البخاري (رقم 4928، 4929) .

(2) صحيح البخاري (رقم 6980) ، وصحيح مسلم (رقم 1499) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت