الصفحة 57 من 145

بدخولهم على سائر النساء الأجنبيات اللاتي لم يُحَرَّمْنَ عليهم؟

فلذلك حرمته الشريعة ولم ترخِّص فيه وإن كان الداخل من الأقربين.

أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده:

إنَّ هذه الشرائع التي فرضها الله إنما هي من كمال غَيْرَته سبحانه كما في الصحيحين [1] عن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: Mلا أَحَدَ أغْيَرُ من الله ولذلك حَرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن L.

ولذلك ألقى الله تعالى في قلوب عباده الذين اصطفى من الغَيْرة والحشمة ما هو جبلَّةٌ جبلهم عليها وشريعةٌ أنعم بها عليهم، وأمرنا أن نقتدي بهداهم.

حشمة الطاهرات من النساء:

قال الله تعالى ذاكرًا خبر مريم عليها السلام: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم:23] .

وهذا كلامٌ عظيم قصَّه الله تعالى عن سيدة نساء العالمين ليكون عبرةً للمؤمنات أنَّ التهمةَ أعظمُ وأشدُّ على نفوس الحرائر العفيفات من الموت الزعاف، ولذلك ما كان الله ليدع مريم عليها السلام بعد هذا البلاء المبين بل كان سبحانه وتعالى لها بما هو أهله فأيدها بآيةٍ باهرةٍ، ثم خَتَم النبوَّةَ بهذا الكتاب المبين فنطق بآيتها ورفع ذكرها في العالمين.

فإذا كانت أسبابُ الهلاكُ تُتَّقى بكل سبيل فكيف لا تَتَّقي الحُرَّة ما هو أشدُّ عليها من الهلاك؟!

وقال الله تعالى في خبر موسى - عليه السلام: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص:23] .

وهذا كلامٌ جمع الله فيه أصول الحشمة التي جعلها الله تعالى أصلًا للحرائر الطاهرات؛ فإنَّ فيه سببَ خروجهما وفيه حالهما لما خرجتا.

فإنَّ قولهما {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} ، أي إننا لو وجدنا بُدًّا فكان أبونا مستطيعًا

(1) صحيح البخاري (رقم 4358) ، وصحيح مسلم (رقم 2760) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت