الصفحة 56 من 145

أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ لِسُنّةِ ... اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب:60] .

فإذا لم ينتهوا عن أذاهم ففيهم سنة الله أنْ يُغْرَى بهم من ولاة الأمور مَنْ يشرِّدهم أو يستأصلهم، لأنَّ حفظ الأعراض من الأذى، وأعلاها عرض النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثم أعراض المؤمنين والمؤمنات حرائر وإماءً؛ من أعظم المقاصد الشرعية التي يجب على ولاة الأمور أن يقوموا بها القيامَ الأتمَّ.

وفي هذه الآية تفصيلٌ لأصناف أهل الأذى لله ولرسوله وللمؤمنين بأنهم ثلاثة؛ المنافقون الذين غرضهم هدمُ الشريعة، والذين في قلوبهم مرضٌ وهم أهل الفواحش ممن غرضه الفجور، والمرجفون وهم مَنْ يُرجف بالأكاذيب والشبهات كالذين يُسَلِّطُون أهلَ الفساد بإيقافهم على المتشابه ابتغاءَ الفتنة وابتغاء تأويله.

فهؤلاء أصنافٌ متعاونون على أَذَي المؤمنين العِلْميِّ والعَمَليِّ، والله تعالى قد توعَّدهم إنْ لم ينتهوا بأنْ يؤخذوا ويُقَتَّلوا تقتيلًا، وبيَّنَ أنها ليست خاصةً للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بل هي سنةٌ له لا تتبدَّل في أمثالهم.

الغاية الثالثة: تحصيل الرتبة العليا من طهارة القلوب.

لما شرعت الشريعة حسم الخطوة الأولى من خطوات الحرام، وشرعت ما يرفع الأعراض إلى الرتبة العليا من الصيانة التي تقطع الطمعَ وتَكُفُّ الأذى؛ شرع الله ما يحصِّل الرتبة العليا من طهارة قلوب المؤمنين.

فمن ذلك أنَّ أمهاتِ المؤمنين محرَّماتٌ على المؤمنين على التأبيد تحريمًا كتحريم أمهاتهم عليهم، فكان تركهنَّ الاحتجابَ (الذي يواري أشخاصهنَّ) عن المؤمنين هو الأصل، أي فلا يحرم عليهم الدخولُ عليهنَّ كما لا يحرم عليهم الدخول على النساء المحرَّمات عليهم على التأبيد، وإن كُنَّ مفروضًا عليهنَّ الضربُ بخُمُرهنَّ على جيوبهم كما في سورة النور.

لكنَّ الله تعالى استثناهنَّ واختصَّهنَّ فأمر المؤمنين أنْ لا يدخلوا عليهنَّ ولا يكلموهنَّ إلا من وراء حجاب وإن كنَّ محرَّماتٍ عليهم على التأبيد، وبيَّنَ أنَّ ذلك أطهرُ لقلوبهم وقلوبهنَّ، وأبقى مَنْ سمَّى من محارمهنَّ على الأصل الأول.

فإذا كان هذا في دخول المؤمنين على أمهاتِهم وهُنَّ محرَّماتٌ عليهم فكيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت