الصفحة 55 من 145

المنافقين المواطئين، ثم ذكَّره بنصره له لما تحاشدت الأحزاب العسكرية فأقبل الكفار وجاؤوا المسلمين من فوقهم ومن أسفلَ منهم وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وصالَ أهل النفاق وانساق معهم أهل المرض والارتياب فقال بعضهم: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا، وقال بعضهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، واستأذن بعضهم فرارًا وخذلانًا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

ولكنَّ الله نصر عبده وهزم الأحزاب وحده وكفى المؤمنين القتالَ لما لزموا غَرْزَ نبيِّه ونصروه ولم يخذلوه.

ثمَّ شرع الله تعالى في ذكر حقوق نبيِّه الذي به نَصَرَ أمته، وأدَّبَ أزواجَه وجعلهنَّ قدوةً لنساء المؤمنين إنْ اتقينَ الله ولَزِمْنَ أمرَه.

فكان مما أمرهنَّ به أن لا يخضعنَ بالقول فيطمعَ الذي في قلبه مرض، فنبَّههنَّ إلى أنَّ سلامة القصد غيرُ كافية، بل لا بدَّ من اتباع الشريعة في تجنُّب الأسباب التي تُطْمِعُ الفجار.

وكان مما أمرهنَّ به أنْ نَقَل نساء المؤمنين الحرائر في شأن اللباس من الأمر الأول (وهو الضرب بالخُمُر على الجيوب) إلى الرتبة العليا وهي إدناء الجلابيب، ليعرفنَ فلا يؤذينَ بل يهابهنَّ كلُّ فاسق.

فتَرَى أنَّ الشريعة لم تتَّكل على أخلاق الناس العامة، فإنهم لن يكونوا في زمانٍ خيرًا منهم في العهد النبويِّ الذي خوطب نساؤه بتلك الأحكام أولَ مرَّة، بل وضعتْ التشريع الذي يُحْرز الفضيلة ويصون المرأة على أيِّ حال.

وتَرَى أنَّ هذه الشريعة الكاملة الطاهرة لم تكتفِ بلوم الفساق على أذاهم للنساء ولم تضع شيئًا من تلك القوانين التي يزعم مشرعو الأممِ الجاهلية أنهم يحولون بها بين الفساق وبين التحرُّش بالنساء بل الشريعةُ ابتدأت بالنساء ففرضت على الحرائر ما يحول بينهنَّ وبين الأذى.

ثمَّ لما أمرت الشريعة نساء المؤمنين بما أمرتهنَّ مما يحفظهنَّ ويصونهنَّ رجعتْ على أهل النفاق وأهل المرض وأهل الإرجاف فتهدَّدتهم بوعيدٍ غليظ، فقال الله تعالى بعد آية الجلابيب: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت