الصفحة 46 من 145

بل يذهب هذا فيخلفه هذا ثم يذهب هذا فيخلفه هذا.

وكذلك الحديث الآخر هو على ظاهره؛ أنَّ الرجال والنساء كانوا يتوضؤون في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - جميعًا، لكنَّ الشأنَ أين كانوا يتوضؤون؟ فإنَّ الناسَ في ذلك العهد لم يكن لهم أماكن يجتمعون فيها للوضوء، وإنما كانوا يتوضؤون في دورهم وحوائطهم، ودار الرجل وحائطه إنما فيه الرجل وأهله ومحارمه.

3 -استدلاله طعنٌ في ورع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وكمال تقواه:

قال بعد أن ذكر دليلًا زعم فيه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد فعل"الاختلاط"مستحلًا له: (( ولا يترفع عن التأسي بأفعال النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلا متهوِّكٌ ضالّ ) ).

فصرَّح بأنَّ الترفُّع عن فعل الاختلاط واعتقاد حِلِّه تهوُّكٌ وضلال لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله.

ثم نَكَص على عقبيه فقال: (( وأما من حرص على الأكمل بين الجنسين احتياطًا وورعًا واختار لنفسه ما يصلح لها دون إلزام الآخرين به؛ فهذا له، لكنَّ الذي يجب أن يُعْلَم أنَّ التقوى شيءٌ والفتوى شيءٌ آخر ) ).

فجعل التورُّع عن الاختلاط الذي زعم أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله ويستحلُّه من الاحتياط وكمال التقوى، فمَنْ احتاط لدينه وتورَّع منه فقد ترقَّى في التقوى بزعم أحمد بن قاسم إلى مرتبةٍ لم تكن للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -!

فيا أيها اللبيب؛ إذا رأيت مثل هذه السقطات الفاضحة فاحمد الله أنْ عافاك من هذا الخذلان الذي يُبتلى بمثله لا محالة كلُّ من عاند الشريعة.

4 -الاستدراك الصريح على الله ورسوله:

قال أحمد بن قاسم: (( كل خلوة تنتفي فيها التهمة لا يتحقق فيها النهي على الصحيح، وإنما المحرم منها ما تحققت فيه التهمة فقط ) ).

وهذا استدراك صريح على قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم: Mلا يخلونَّ رجلٌ بامرأة L [1] ، لأنَّ هذا المستدرِك يقول: لا امتثالَ لهذا النهي الصريح حتى تتحقق التهمة!

(1) من حديث ابن عباس؛ أخرجه البخاري (رقم 2844) ، ومسلم (رقم 1341) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت