الصفحة 44 من 145

على أنهنَّ كُنَّ يستنقذنَ الأنفس المشرفة على الهلاك في حالٍ هي من أضرَّ الضرورات، فلله ما أحذقه من فقيه!

وهذا المستدلُّ هو ممن صُدِّر لإقامة أمرِ العدل في العامة، وهو كما ترى قد تلبَّس بظلمٍ عظيم لعرض النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأعراض أصحابه إذْ نَسَب إلى نسائه ونسائهم أنهنَّ كُنَّ يَسْتَحْلِلْنَ مخالطةَ الرجال، فجعل الأعراض الشريفة المصونة مخاضةً له يخوضها إلى مآربه!

بل لا أَدَلَّ على ظلم هذا المستدلِّ وجهله من أنه لو أَخَذَ أحدٌ بطريقتِه نفسِها في الاستدلال فقال اعتمادًا على ما يسمِّيه"مشاهدَ السيرة النبوية": إنَّ أزواجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وسائرَ نساء المؤمنين كُنَّ يَسْتَحْلِلْنَ أن يكشفنَ عن سوقهنَّ حتى يرى الناظرُ خلاخيلهنَّ؛ لكان هذا القائل كافرًا مرتدًّا حلالَ الدم والمال، فأنَّى لمن هذا مبلغُ علمه وهذا صريحُ منهجِ استدلاله أن يُعَدَّ من العقلاء فضلًا عن أن يكون من جملة العلماء؟!

* وذكر أحمد بن قاسم وصاحبه أنَّ الاختلاطَ واقعٌ في الطواف والسعي وصلاة النساء في المساجد، وهذه شبهةٌ رائجةٌ عند كثيرين غيرهما.

فيقال لكلِّ من قال ذلك: وكذلك أمهاتُ المؤمنين رضي الله عنهنَّ كُنَّ يطُفْنَ بالبيت وبالصفا والمروة ويصلينَ في المساجد ويشهدنَ المناسك كغيرهنَّ من النساء قبل نزول آية الحجاب وبعدها فما عسى أن تقولوا في أمرهنَّ؟!

فهذا الاستدلالُ ورطةٌ لمنْ لم يتنبَّه إلى أنه يتكلَّم في حال أمهات المؤمنين! لأنه لا يقول مسلمٌ إنهنَّ كُنَّ يُخالطنَ الرجال لأنهنَّ كُنَّ يَطُفْنَ ويصلينَ في المساجد!

ومعلومٌ بالضرورة أنَّ طوافَ أمهاتِ المؤمنين وسعيهنَّ وصلاتهنَّ في المساجد لا ينافي ما فَرَضَ الله تعالى عليهنَّ أن لا يخالطنَ الرجال في خروجهنَّ ولا يكلمنهم إذا دخلوا عليهنَّ إلا من وراء حجابٍ يواريهنَّ كما هو نَصُّ القرآن، فتبيَّن أنه استدلالٌ ساقط، لأنه إن كانت تلك الأعمال دليلًا على إباحة الدخول على النساء في أماكن لبثهنَّ ومخالطتهنَّ عند خروجهنَّ لكان حال أمهات المؤمنين مناقضًا لما فرض الله عليهنَّ، وإن لم تكن دليلًا على ذلك سقط الاستدلال من أصله.

وهذا يبيُّن لك أنَّ طُرُقَ الاستدلالِ العلمي الصحيح المنضبط موصدةٌ في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت