فإنَّ البخاريَّ ومسلمًا قد خرَّجا ما ذكرتَ من حديث أنس - رضي الله عنه - [1] قال يذكر يوم أُحُد لما أثخن العدوُّ في المسلمين: Mولقد رأيتُ عائشةَ بنت أبى بكر وأمَّ سليم وإنهما لمشمِّرتان أرى خَدَمَ سوقهما؛ تنقلان القِرَبَ على متونهما ثم تُفْرِغانه في أفواههم، ثم ترجعان فتملآنِها ثم تجيئان تفرغانه في أفواه القوم L.
فإن كان هذا الحديث كما قلتَ من نماذج الاختلاط المباح، فأَتْمِمْ على النساء ما أنعمتَ به عليهنَّ وقُلْ إنه يجوز لَكُنَّ أنْ تختلطن بالرجال وتشَمِّرن ثيابَكنَّ عن سُوقكنَّ وتبدينَ خلاخيلكنَّ!
ونعيذك بالله أن تخجلَ من الصَّدْع بالحقِّ المبين وتؤمنَ ببعض ما سمَّيته"مشاهد السيرة النبوية"وتكفرَ ببعض فتكونَ من"المستدركين على شريعة الله بالآراء"!
وإنْ قيل لك إنَّ القرآنَ نهى النساءَ أنْ يضربن بأرجلهن لئلا يُسمع صوتُ الخلاخيل دَعْ إبداءها للناظرين؛ فقُلْ كما قلت في الاختلاط إنَّ المراد هو كشفُ النساء سوقهنّ وإبداء خلاخيلهنَّ (( على الهَدْي الإسلامي المبارك لا على غيره ) )،
وكما قلت أيضًا: (( قد كان هذا شائعًا في القديم في مجتمعاتنا يحفه نهج سلفنا الصالح في البراءة والحشمة والتحفُّظ على فطرة الإسلام وطِيب النيات والمقاصد ) )!
وقول معاذة الذي ذكره هذا المستدلُّ: (كنا نغزو مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ) إلخ، تريد به نساء المؤمنين ونساء النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، إنما هو من الضرورات التي فيها إشراف الأنفس على الهلاك، أما المحكم فهو كمثل ما أخرج البخاري [2] عن أنس - رضي الله عنه - قال: Mأقام النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يُبْنَى عليه بصفية بنت حُيَيٍّ، فدعوت المسلمين إلى وليمته فما كان فيها من خبز ولا لحم؛ أَمَرَ بالأنطاع فألقي فيها من التمرُ والأقط والسمن، فكانت وليمتَه، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو مما ملكت يمينه؟ فقالوا: إنْ حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطَّأ لها خلفه ومدَّ الحجاب بينها وبين الناس L.
فهذا حال الحرائر؛ أمَّهات المؤمنين وغيرهنَّ التي فارقنَ بها حال الإماء، وهذا حَجْبُهنَّ عن أنظار الناس في الأسفار، وهذا المستدلُّ يريد أن ينقضه نقضًا لأنه عثر
(1) صحيح البخاري (رقم 2724) ، وصحيح مسلم (رقم 1811) وهذا لفظه.
(2) صحيح البخاري (رقم 4797) .