الصفحة 38 من 145

براءةٌ من منهجهم ومن اتِّباع سبيلهم.

وإذا أردتَ أن يستبينَ لك الأمر فاسألَ كلَّ من عانى من فتنة الخوارج المعاصرة من رجال الدولة أو من أهل العلم أو من عامة الناس؛ ما أوَّلُ شيءٍ كان يبتدئُ به دُعاتُهم لأخذ عقول الضعفاء وإفساد عقائدهم حتى تجارت بهم الأهواء فصاروا غاليةً يُكَفِّرون أهل الإسلام ويقتلونهم؟ فإنك تجد الجواب أنهم كانوا يبتدئون بتزهيدهم في علم أئمة السنة والجماعة أولًا، ثم يتدرَّجونَ إلى وصفهم بأنهم"أهل جنايةٍ عَمْدية على الشريعة"و"مستدركون على شريعة الله بالآراء"و"مزايدون على المشرِّع الحكيم"و"راغبون عن الهدي النبويّ"!

فما كان دعاة الخوارج يَتَكَتَّمون به في الخلوات، ويَتَلَطَّفون إليه بالتدريج؛ أتى به أحمد بن قاسمٍ وصاحبُه جملةً واحدة وعلانيةً على رؤوس الأشهاد في خطوةٍ جريئة لنقض أصل جماعة هذه البلاد.

ومنهج أئمة السنة والجماعة الذي سفَّهه أحمد بن قاسمٍ وصاحبُه هو الذي اعتصمت به جماعةُ المسلمين في هذه البلاد لمّا تعاظمت فتنة الخوارج فردَّ الله به كيدهم وحَمَى عقائدَ الناس منهم أولًا، ثم انتفع به خلقٌ كثيرٌ ممن اغترَّ بهم وتبيَّنَ لهم غلطُ ما كانوا عليه فرجعوا عنه، وهو منهجٌ علميٌّ واحد، فإنْ كان مُبطِلًا لاستدلالات الخوارج فهو مُبطلٌ لكلَّ ما شذَّ به أحمد بن قاسم وصاحبه، وإن كان منهجًا فاسدًا كما يزعمان فهذا تصحيح عَمَلِيٌّ منهما لطريقة الخوارج.

فإنه ليس مقبولًا عند العقلاء أنْ يقولَ قائلٌ: إنه يسوغ لي وحدي أنْ أتناول مسألة"تحريم الاختلاط"بطريقةٍ في التحاذق أطْفِر فيها إلى معاني النصوص طَفْرًا وأُلْغِي كلَّ أئمة الإسلام، ثم إذا أراد أحدٌ أن يأخذ بطريقتي فيجعل عنوان مسألته"لزوم البيعة"مكانَ"تحريم الاختلاط"صارت طريقتي حرامًا عليه وصار الأخذ بها مروقًا من الدين!

وأحمد بن قاسم وصاحبه لما كانا من النعَّارين في الفتن وقد اشتملا على منهجٍ يعلمان أنه منبوذٌ عند أئمة السنة والجماعة؛ لم يمكنهما إظهارُ ما عندهما والجماعةُ ملتئمةٌ وشياطينُ الفتن مقموعة، ولذلك تَحَيَّنا به مواطنَ الافتراق وصولةَ أهل النفاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت