وكما أنَّ لأحمدَ بن قاسمٍ سَلَفًا على منهجه من الأوَّلين فإنَّ له أصحابًا من المعاصرين سبقوه ومهَّدوا له، فقد سبقه صاحبٌ له ركبَ المنهجَ نفسَه فجاء بتقريرٍ وباستدلالٍ مثل ما صنع أحمد بن قاسم.
فمما قال ذلك المستدلّ: (( ثبت في الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها أنَّ أناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال بعضهم هو صائم وقال بعضهم ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقفٌ على بعيره فشرب، وذكر شُرَّاح الحديث بأن هذا أصل في المناظرة في العلم بين الرجال والنساء ) ).
ووجه الدلالة عنده هو في قوله: (تماروا عندها) ، أي إنهم دخلوا عليها دخولَ الطلاب الذكور على زميلاتهم الإناث ليدرسوا معهنَّ ويباحثوهنَّ في العلم، وتلك غايته وغاية أمثاله، فاتَّبع ما تشابه عليه من معنى الحديث وضَرَبَ به قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الصريحَ المحكمَ: Mإياكم والدخول على النساء L.
وليس ما ذَكَر أولى أن يَسْتدلَّ به مما في الصحيحين [1] عن الأسود بن يزيد النخعي قال: Mكنا عند عائشة فذكرنا المواظبة على الصلاة ... L إلخ الحديث الذي فيه مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس، والراوي عنها من التابعين، أي إنهم كانوا عندها بعد وفاة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فلعله كذلك أنْ يستدلَّ به كاستدلاله بحديث أمِّ الفضل فيقول: إنَّ الدخول على أمهات المؤمنين من غير أن يكون بينهنَّ وبين من يسألهنَّ متاعًا أو يستفتيهنَّ حجابٌ (ستارٌ) جائز، وأنَّ الدليل المحكمَ وهو قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب:53] قد نسخه هذه الشبهة الملتقطة من قول الراوي (كنا عند عائشة) !
فإن قال: لم يكونوا يدخلون على عائشة وإن قالوا (كنا عندها) ، بل كانوا يكلمونها من وراء حجاب كما أمر القرآن ولا يَلْزَم أنْ يُذْكَر في نَصِّ الحديث كلُّ التفاصيل
(1) صحيح البخاري (رقم 633) ، وصحيح مسلم (رقم 418) .