الصفحة 26 من 145

وبيَّن شيخ الإسلام كذلك أنَّ هذا النوع من الاستحلال هو ما صنعه اليهود الذين قال الله تعالى في شأنهم: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً ... لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 65، 66] .

قال [1] : (( وإنما أُتِيَ هؤلاء حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء الاسم ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرَّم وثبوته، وهذا بعينه شُبْهَةُ اليهود في استحلال بيع الشحم بعد تجميله، واستحلال أخذ الحيتان يوم الأحد بما أوقعوها به يوم السبت في الشباك والحفائر من فعلهم يوم الجمعة حيث قالوا: ليس هذا بصيدٍ ولا عَمَلٍ في يوم السبت وليس هذا باستباحة الشحم ) ).

وبيَّنَ رحمه الله أنَّ ما في الحديث من عقوبة هؤلاء المستحلين ما حرَّم الله بتغيير الاسم بالمسخ قردةً وخنازير؛ هو عقوبةٌ من جنس عقوبة المستحلِّين من اليهود، لأنَّ عملهم من جنس عملهم.

قال شيخ الإسلام [2] : (( فظهر بهذا أنَّ القومَ الذين يُخْسف بهم ويمسخون إنما يُفْعَل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد الذي استحلُّوا به المحارم بطريق الحيلة فأعرضوا عن مقصود الشارع وحكمته في تحريم هذه الأشياء ولذلك مُسِخوا قردة وخنازير كما مُسِخ أصحاب السبت بما تأولوا من التأويل الفاسد الذي استحلوا به المحارم ) ).

وهذا الاستحلالُ هو ما فعل أحمد بن قاسم وصاحبه؛ فإنهما عَمَدا إلى"الدخول على النساء"الذي حرَّمه الله ورسوله فسمَّياه"اختلاطًا"، ثم أباحا الاختلاط، فاستحلاّ بذلك ما حرَّم الله تحريمًا صريحًا مؤكَّدًا.

قال الله تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف:163 - 166] .

(1) الفتاوى الكبرى (6/ 39) .

(2) الفتاوى الكبرى (6/ 40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت