الصفحة 25 من 145

قال شيخ الإسلام رحمه الله [1] : (( الحديث الذي رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به عن عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله ما كَذَبَني سمع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: Mليَكُونَنَّ من أمتي أقوامٌ يَسْتحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف، ولينزلنَّ أقوامٌ إلى جنب عَلَمٍ تروح عليهم سارحةٌ لهم يأتيهم رجلٌ لحاجة فيقولون ارجع إلينا غدًا فيُبَيِّتهم الله ويضع العَلَمَ ويمسخ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيامة L .. ، إنما ذاك إذا استحلُّوا هذه المحرمات بالتأويلات الفاسدة، فإنهم لو استحلُّوها مع اعتقاد أنَّ الرسولَ حرَّمها كانوا كفارًا ولم يكونوا من أمته، ولو كانوا معترفين بأنها حرام لأوشك أنْ لا يعاقَبوا بالمسخ كسائر الذين لم يزالوا يفعلون هذه المعاصي ولَمَا قيل فيهم(يستحلون) فإنَّ المستحلَّ للشيء هو الذي يأخذه معتقدًا حِلَّه، فيشبه أنْ يكون استحلالهم الخمرَ يعني به أنهم يُسَمُّونها بغير اسمها كما جاء الحديث، فيشربون الأنبذة المحرمة ولا يسمونها خمرًا، واستحلالهم المعازف باعتقادهم أنَّ آلات اللهو مجردُ سماع صوت فيه لذة وهذا لا يحرم كألحان الطيور، واستحلال الحرير وسائر أنواعه باعتقادهم أنه حلال للمقاتلة وقد سمعوا أنه يباح لبسه عند القتال عند كثير من العلماء فقاسوا سائر أحوالهم على تلك، وهذه التأويلات الثلاثة واقعة في الطوائف الثلاثة التي قال فيها ابن المبارك رحمه الله تعالى:

وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها

ومعلوم أنها لا تغني عن أصحابها من الله شيئًا بعد أنْ بلَّغَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - وبَيَّنَ تحريمَ هذه الأشياء بيانًا قاطعا للعذر هو معروف في مواضعه، ثم رأيتُ هذا المعنى قد جاء في هذا الحديث، رواه أبو داود أيضا وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: Mليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير L، هذا لفظ ابن ماجه وإسنادهما واحد )) .

فبيَّنَ رحمه الله أنَّ الاستحلالَ ليس هو الإحلال الصريح، وإنما هو أخذ المحرمات معتقدين أنَّ الشريعة قد أحلَّتها بالاحتيال بتغيير الأسماء.

(1) الفتاوى الكبرى (6/ 29 - 30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت