الفصل الثالث
صحة القرآن الكريم وهيمنته
أول ما يتبادر إلى الذهن: من الذي جعل القرآن الكريم مهيمنًا على الكتب السماوية السابقة؟
ومن البداهة أن نقول أن الله تعالى هو الذي قضى بهذا، وأنزل هذا في كتابه الكريم: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [1] [37] .
والسؤال: ما الذي يعنيه مصطلح"الهيمنة القرآنية"؟
روى الطبري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في تفسير الآية السابقة، قال: (المهيمن: الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله) ، وروي عنه أيضًا أنه قال: (وَمُهَيْمِنًا أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب) .
وقال قتادة: وَمُهَيْمِنًا أي: (أمينًا وشاهدًا على الكتب التي خلت قبله) .
أمَّا سعيد بن جبير فقد قال: (القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب) .
كما روى الطبري في تفسيره عن ابن زيد قوله: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه، ِ قال: (مصدقًا عليه، كل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زبور فالقرآن مصدق على ذلك، وكل شيء ذكر الله في القرآن فهو مصدق عليها وعلى ما حدث عنها أنه حق) .
يرى الإمام ابن كثير في تفسيره أن كل هذه التعريفات متقاربة المعنى، ذلك أن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله.
كما تواترت النصوص عن سلف هذه الأمة وخلفها على أن القرآن الكريم هو المؤتمن والشاهد والحاكم على ما بين يديه من الكتب.
والسؤال الذي يجب أن نسأله: لماذا اختص القرآن بهذه السلطة التي جعلته الأمين والشاهد والرقيب والحاكم على كل الكتب السابقة عليه؟
والجواب: لأنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم، ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب
(1) [المائدة: (48) ] .