الثابت تاريخيًا أن توراة اليهود ضاعت في عهد مملكة يهوذا، ثم ظهرت في القرن الثامن قبل الميلاد، ثم ضاعت في عهد الملك نبوخذ نصر الذي حرق أورشليم وهدم هيكلها وأسر اليهود، ثم أدعى الكاهن حلقيا في زمن يوشيا ملك يهودا أنه وجد نسخة التوراة في بيت المقدس وأعطاها الكاتب شافان، لكن هذه النسخة لا يعتمد عليها، وبعد عودة اليهود إلى فلسطين في عهد الملك كورش، انتهز اليهود الفرصة في منتصف القرن الخامس 244 ق. م فاجتمعوا وقرأ عليهم عزرا"سفر الشريعة"من مطلع النهار إلى منتصفه.
ولمَّا فرغوا من قراءتها أقسم الكهنة والزعماء والشعب أن يطيعوا هذه الشرائع ويتخذوها دستورًا لهم يتبعونه، ومبادئ خلقية يسيرون على هديها ويطيعونها أبد الآبدين، وظلت هذه الشرائع من تلك الأيام إلى يومنا هذا المحور الذي تدور عليه حياة اليهود.
وهنا يكون التساؤل:
هل الكتاب الذي قرأه عزرا هو الكتاب الذي قرأه يوشيا في القرن الثامن أو لا؟ والجواب واضح وهو أن سفر الشريعة الذي قرأه يوشيا قد قرأه عزرا في نصف يوم، بينما الأمر الذي دعا إليه عزرا احتاجت قراءته لمدة أسبوع كامل [1] .
والواضح أن عزرا هو الذي جمع أسفار التوراة وعمل على نظمها، غير أن تاريخ تدوينها قد تم خلال مراحل مختلفة، وأنها لم تكتب بيد واحد فقط بل من عدة كتاب مجهولين، من خلال كتابات سماعية، مكتوبة بثلاث لغات مختلفة من العبرية والآرامية واليونانية، غير أن اللغة العبرية لموسى تختلف عن نصوص العهد القديم العبري الذي كتبه عزرا، وهي غير التوراة التي أشار إليها القرآن الكريم في محكم آياته.
ولقد ثبت لدى الكثير من الباحثين والمؤرخين أن التوراة بأسفارها لم يكتبها موسى عليه السلام، ولا هو أملاها على أحد، وأن هذه الأسفار تحمل ظلال وانعكاسات الأحداث التاريخية التي عاشها اليهود في بيئات اجتماعية تحكمها سياسات مختلفة بما تحمله من أحكام وتشريعات وتعرضت للتدخل البشري بالحذف والإضافة والتنقيح والتهذيب. ذلك أن المصادر الحديثة الخاصة بالتوراة تقول: أن التوراة الموسوية كانت قد فقدت من المجتمع اليهودي لعدة قرون .. وتقول دائرة المعارف الفرنسية تحت عنوان:"توراة"، أن العلم العصري ولا سيما النقد الألماني، قد أثبت بعد أبحاث مستفيضة في الآثار القديمة والتاريخ وعلم اللغات أن التوراة لم يكتبها موسى وإنما
(1) يحي محمد على ربيع (1994) ، الكتب المقدسة، بين الصحة والتحريف، ط. الأولى، دار الوفاء للطباعة والنشر، القاهرة، ص 99.