المتبعين لها، وبين ما حرف منها وبدل، وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين أيضًا ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة: فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حرف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقره الله، ونسخ ما نسخه، فهو شاهد في الخبريات، حاكم في الأمريات [1] .
ولهذا أوكل الله تعالى أمر حفظ القرآن الكريم إليه فلا يجوز عليه التبديل أو التعديل أو التحريف، أو النسخ، وهو ما تقتضيه الخاتمية أي ختم الكتب السابقة، بحيث لا يعقبه كتاب يصحح ما فيه أو يستدرك عليه، وهو أيضًا ما يثبت استحقاقه بالهيمنة، وما يستوجب الصدق بما فيه، ووجوب النزول على حكمه، مما يعني أن اتهام القرآن للكتب السابقة عليه بالتزوير أو التحريف، يجعله بمنأى عنها، وأنه بريءٌ منها، ولا يمكن لأحد أن يتهمه بذات الاتهام.
قال ابن كثير: (جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدًا، وأمينًا، وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى حفظه بنفسه الكريمة) [2] .
قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [3] .
يقول الدكتور أحمد علي الإمام رئيس مجمع الفقه الإسلامي بالسودان: (أن مفهوم هيمنة القرآن على الكتب السابقة تعني أن القرآن مهيمن على الكتب السابقة بأن صدق نزولها من عند الله وحفظ الأصول التي جاءت بها دعوة الأنبياء الذين نزلت عليهم وهي دعوة التوحيد، وشهد على من آمن بها حين نزولها بأنهم ممن استجابوا لأمر الله، وعلى من كذب بأنهم ممن عصوه واستحقوا غضبه، وهو لا يزال قائما بهذا الحفظ والتصديق والشهادة) .
كما أن هيمنة القرآن على الكتب تعني فيما تعني أن القرآن يملك خاصية المراجعة والرقابة لما أصاب الكتب السابقة من التحريف والتبديل أو الإخفاء والإلغاء، فالقرآن بهذا يصوب التاريخ ويقوم الحاضر ويوجه المستقبل.
يقول الدكتور موريس بوكاي: (صحة القرآن التي لا تقبل الجدل تعطي النص مكانة خاصة بين الكتب التنزيل ولا يشترك مع نص القرآن في هذه الصحة لا العهد القديم ولا العهد الجديد ... ولم يتعرض النص القرآني، لأي تحريف من يوم أن أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا) [4] .
(1) ابن تيمية: [مجموع الفتاوي: (44/ 17) ] .
(2) تفسير القرآن العظيم (92/ 2) .
(3) [الحجر: (9) ] .
(4) موريس بوكاي:"القرآن الكريم، والتوراة والإنجيل والعلم، دراسة الكتب السابقة في ضوء المعارف الحديثة، دار المعارف، القاهرة، 1982 م، ص 151."