تجسَّدت مبادئ الإسلام وأخلاقه وشريعته ومثُلُه العُليا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع أحواله، وظلَّ طوال حياته وبعد مماته إلى يوم الدين الطرازَ الرفيعَ والقدوةَ والأسوةَ الحسنةَ {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب: 21) {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: من الآية 12) فالمطلوب من كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ، ومن أصحاب الدعوة على الخصوص- إن أرادوا صلاحًا وفلاحًا وسعادةً وفوزًا في الدنيا والآخرة- أن يتخذوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدوةً لهم ومثلًا أعلى أمامهم: في عبادته وطاعته وجهاده وشجاعته، ورحمته ورأفته، وبذله وعطائه، وعدله وقضائه، وحلمه وأناته، وعلمه وحكمته، وكرمه وسخائه، وصبره وسماحته، ولينه وعطفه. . وشاء الله عزَّ وجل أن يجسد في رسوله الكريم مبادئ الإسلام، ونظام شريعته الخالدة، فأقامه نموذجًا عمليًّا واقعيًّا، هو قمة عالية في الفضائل، بل وجميع الكمالات التي تحتاج إليها البشرية، لتتحقق خلافة الله على هذه الأرض لعمارةِ الكون. [1] .
وكان من أهم وأعظم وأبرز أساليبه - صلى الله عليه وسلم - في التعليم العملُ والتخلُّق بالسيرةِ الحَسَنة والخلقِ العظيم، فكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أَمَر بشيء عَمِل به أولًا ثم تأسّى به الناس وعمِلوا كما رأَوْه، وكان خلُقُه القرآن، فكان على الخُلُق العظيم، وجَعَله الله تعالى أسوة حسنةً لعبادِه، فقال عَزَّ من قائل: (لقد كان لكم في رسول الله أسْوَةٌ حَسَنَةٌ لمن كان يَرْجو اللهَ واليومَ الآخِرَ وذكَرَ اللهَ كثيرًا) (الأحزاب: 21) فهو - صلى الله عليه وسلم - أسوةٌ لأمتِه في أخلاقِه وأفعالِه وأحوالِه.
ولا ريب أن التعليمَ بالفعلِ والعَمَل أقوى وأوقعُ في النفس، وأعونُ على الفهم والحفظِ، وأدْعى إلى الاقتداء والتأسّي، من التعليمِ بالقولِ والبَيان، وأن التعليمَ بالفعلِ والعَمَل هو الأسلوبُ الفطري للتعليم، فكان ذلك أبرزَ وأعظمَ أساليبه - صلى الله عليه وسلم - في التعليم. . . . . قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه (الاعتصام) [2] : (( وإنما كان عليه الصلاة والسلام خُلُقُه القرآن، لأنه حكَّم الَحْي على نفسِه، حتى صار في عِلْمه وعَمَلِه على وَفْقِه، فكان للوحي موافقًا قائلًا مذعِنًا ملبيًا واقفًا عند حُكمِه.
(1) في ذكرى المولد النبوي .. رسالة من محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين
(2) 2: 339 ـ 340 في أوائل الفصل الرابع من (الباب العاشر) .