الصفحة 24 من 40

إنّ ظلمات الأيام المقبلة لا تنجلي إلا بنور من مضى من طوائف المصلحين؛ الذين أحسنوا إلى الإنسانية أيّ إحسان، ولهم جميعا علينا الشكر الجميل، ونخصّ منهم الأنبياء، فإنّهم أسدوا إلى البشر من الجميل ما لم تسده طائفة من المصلحين، فيجب علينا أن نضاعف الشكر لهم، ونعترف بجميلهم، وإحسانهم؛ إذ أنّ كلّ واحد منهم قدّم لأمته من سيرته الطاهرة، وخلقه العظيم، وهديه العالي ما كانت به الأسوة الكاملة التي لا تتأتّى من غيره. . . . . . .

لقد ظهر للناس في سيرة الذين حملوا رسالات الله عند تبليغهم عقيدة التوحيد الإلهي ما كان موضع العجب من العزيمة، والحميّة، والتسليم لأمر الله، والعفّة عن المنهيات، والزهد في زهرة الحياة الدّنيا، وما كان ولا يزال مثلا أعلى في هذه الفضائل العظمى، ومنارا للسائرين في ظلمات الحياة، وكم من ظلمة في الحياة قد ضلّ بها من ضلّ، ثم أتى على البشر زمان كان فيه بأشدّ الحاجة إلى الهادي الكامل يضيء له الطريق كلّه بقوله، وعمله، ويجلو الدّجى - دجى العقائد، والأعمال، والأخلاق- بنور تعاليمه، وضوء سيرته، وجمال خلقه، وكمال نفسه، فتكون حياته نبراسا بأيدي الناس، فمن اقتبس منه في يمينه سار في ظلمات الحياة آمنا مطمئنا، لا يخاف الزلّة، ولا يخشى العثرة حتى يبلغ غايته، وإنّ ذلك الهادي الأعظم هو آخر الهداة، وخاتم النبيين الذي لم يرسل بعده رسول، ولن يرسل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا [الأحزاب: 45 - 46] .

إنّ محمدا - صلى الله عليه وسلم - شهد في هذا العالم تعليم الله وهدايته، وبشّر الصّالحين بالنجاح والفلاح، فهو مبشر. وقد نادى الغافلين، وأسمع الصمّ، وحذر المذنبين عاقبة ذنوبهم، وأنذر المشرفين على الهلاك، وأيقظ النائمين، فهو منذر. وقد دعا إلى الله من ضلّ عن سبيله، فهو داع. وإن هو إلا نور يستضاء به إلى يوم القيامة، ونبراس يستنار بأشعته في شعاب الحياة الملتوية، فتنكشف به الظّلمات المتراكمة، فهو السّراج المنير إلى الأبد. . . . . . .

لقد كان جامعا لهذه الصفات كلّها، واتصف بها جميعا، فكان مبشرا، ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، وكانت حياته ملأي بهذه النعوت، والشؤون، وسيرته ممتازة بهذه الخصال والخلال؛ فهو النبيّ الجامع محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه بعث ليختم الله به النبيين والنبوّات، فأعطي الرسالة الأخيرة ليبلغها إلى البشر كافّة، فجاء بالشريعة الكاملة؛ التي لا يحتاج البشر معها إلى غيرها، ولم تنزل من السماء إلى الأرض شريعة على قلب بشر بعد هذه الشريعة. لقد حظيت التعاليم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت