فالرسالة المحمّدية رفعت مكانة الإنسان، وقد كانت منحطة من قبل، فصار لا يخضع، ولا يحني رأسه لغير الله، ولا يسجد إلا له، ولا يمدّ يده سائلا غيره؛ إذ لا معطي لمن منعه الله، ولا مانع لمن أعطاه الله (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ) [الزخرف: 84] ، (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [الأعراف: 54] (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: 57] ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) [الفرقان: 2] [1] .
ثمّ تأملوا أمر التوحيد بعد علمكم بأنّ الرسالة المحمدية رفعت درجة الإنسان، وعرفته بقدر نفسه، إنّ هذه الرسالة أوضحت حقيقة التوحيد، ورفعت عن وجهه الحجب الكثيفة، وأزاحت عنه ظلمات الشرك، فتجرّد من كلّ ما نسجته حوله أيدي الأوهام الباطلة، والعقائد الفاسدة، فليس في تعاليم الإسلام ما يدلّ على أنّ الله أشرك قيصر معه في الحكم، وأنّ قيصر حاكم مثله، فالإسلام محض الحكم كلّه لله، ليس لأحد فيه من نصيب، فله الحكم في السموات والأرض، وله الأمر فيهما.
إنّ الإنسان وقد اعتزّ بالخلافة الإلهية على الأرض، وارتشف كأس المحبّة لله وحده، هل يعقل أن يسجد بعد ذلك لغير الله، وهل يخامر قلب المؤمن بالله أيّ خوف من الظلمة، أو النور، ومن المياه، والرياح.
وهل يخشى ملكا عظيما، أو يوجس في نفسه خيفة من صحارى واسعة، أو جبال شامخة، أو أرض رحبة، أو بحار زاخرة، حتى يسجد لها، أو يدعو لها خوفا، أو طمعا، إنّ المؤمن لا يخشى إلا الله، ولا يبالي بغير الله، ولا يطمع في ثراء ثريّ، ولا يرجو غني إلا من الله الغنيّ عن كل شيء.
انظروا إلى تعاليم الإسلام كيف بلغت بالإنسان ذروة الشرف، وسنام المجد. وتأمّلوا كيف رفعت الرسالة المحمّدية المستوى البشريّ، ووجّهت المجتمع الإنسانيّ نحو الحق والخير [2] .
(1) الرسالة المحمدية (ص: 190)
(2) الرسالة المحمدية (ص: 191)