الصفحة 33 من 40

ولأجل استخلاف بني آدم في الأرض سمت منزلتهم بين جميع المخلوقات، وشرّفهم الله وكرّمهم* وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70] فهل يجوز لخليفة الله في الأرض وقد كرمه الله أن يسجد لمن هو دونه، ويعبد ما هو أصغر منه شأنا؟ وكيف يسجد بنو آدم لشيء غير الله والعالم مسخر من الله لهم [1]

فدلّت الرسالة المحمدية بذلك على أنّ موقف الإنسان من هذا العالم موقف السيد الكريم ممّا سخّر له، وموقف المتوّج بتاج الخلافة الإلهية من كل ما هو مستخلف فيه، فالإنسان مكلّل بإكليل الجلال والعظمة، لا يفوقه شيء من موجودات الكون، والكون كلّه دون الإنسان، وهو نقطة دائرة العالم، وإنسان عينه، والغاية من خلق العالم، ولأجله جعلت الدّنيا.

رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد عرّفت الناس بأقدارهم، وأنزلتهم منازلهم، وأعطت كلّ ذي حقّ حقه، فلم تنقص من حقّه شيئا، ولم ترفع أحدا من الناس فوق مكانته التي يستحقّها، فكما لم تحطّ عزيزا عن عزته الجدير بها؛ لم ترفع أحدا فوق المقام اللائق به، وبذلك دلّت الإنسان على شرفه وعلائه، وعلّمته أنّه مهما كان رفيعا، وذا سلطة وبأس؛ فإنه لن تبلغ به رفعته أن يعبد كما كان يريد الفراعنة أن يعبدوا، ومهما كان طاهرا عابدا متبتلا؛ فلا ينبغي لإنسان أن يركع له، أو يرجو منه ما لا يرجى إلا من الله، أو يخشاه كخشية الله، ومهما حاز من المال الكثير، والثراء العظيم؛ فليس له أن يستعلي بذلك على إخوانه من خلق الله. إنّ رسالة محمّد - صلى الله عليه وسلم - قد قطعت الفساد، واجتثت الشرّ من أصولهما، وأعلنت في الناس بوضوح وجلاء هذه الحقيقة: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: 64] .

وأذاعت في العالم عن الأنبياء أنفسهم، وهم أسمى مراتب البشر أنّهم لا ينبغي لأحد منهم أن يقول للناس كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: 79] .

ليس في عالم الشهادة أرفع قدرا من الأنبياء، ولا في عالم الغيب أعلى درجة من الملائكة، ومع ذلك لا يجوز أن يتخذ الناس أحدا من الأنبياء، أو الملائكة معبودين لهم وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا [آل عمران: 80] .

(1) الرسالة المحمدية (ص: 188 وما بعدها)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت