الصفحة 36 من 40

فأصل الفطرة هي الدين الذي دعي الإنسان إليه، والإثم عارض يعرض للإنسان، ولا حق يطرأ عليه، ويقول الله عز وجل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم: 30] إنّ البشرى التي بشّر بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بني آدم أنّ كل إنسان مختار فيما يفعله، غير مكره عليه، ولا مجبر، وليست حياته الحاضرة نتيجة لحياته الماضية، فمن آمن بالرسول؛ فقد تغيّرت وجهة نظره إلى أعماله، فلا هو كئيب واجم ظنّا منه بأنه مكره على عمل هو استمرار لحياة سالفة.

فكلّ من آمن بالرسالة المحمّدية أصبح بفضلها حرّا طليقا من الأوهام الباطلة، والعقائد الفاسدة؛ التي قيّدت حياة البشر، وغلّت أيديهم. [1] .

إنّ الدنيا قبل بعثة رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - توزعتها عقائد باطلة، وأوهام سخيفة، فكان أهل كل دير في مملكة من الممالك يحسبون أنّ مملكتهم هي الدّنيا كلّها، فكان براهمة الهند، ومتصوفوها يرون أنّ بلادهم هي أرض الله الممتازة، وما خرج عنها لا نصيب له من رحمة الله، لأنّ الله لا يريد الخير إلا لقطّان بلادهم، وأمر الرسالة الإلهية، والهداية الربانية، قد اختصّ به بعض البيوتات من سدنة المعابد، لا يعدوهم أبدا، وكذلك فإن زردشت يحسب أنّ الإله إنما يعنى بأمر بلاده المقدسة وحدها، وبأهل وطنه الأخيار، ولا تعنيه بلاد أخرى، ولا أمّة أخرى، وبنو إسرائيل يظنّون أنّ رسالات الله خاصّة ببعض أسباطهم، وأنها حقّهم الموروث.

أما الإسلام؛ فقد وسّع على الإنسانية ما ضيّقه الآخرون، وأعلن أنّ الناس كلّهم سواسية، وأنّ دعوة الله غير مخصوصة ببلاد دون أخرى، فمشرق الدّنيا، ومغربها، وشمالها، وجنوبها، وفلسطين، وفارس، والهند، كلّ قد خلا فيها رسول أو نبيّ، وأنّ الله تعالى تستوي عنده الأمم، واللّغات في بعثة الأنبياء، فشمس النبوة أشرقت على البشر جميعا، وتلألأت فيهم أنوار الرسالة وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: 24] . وأنّ سكانها أجمعين من خلق الله، وأنّ الأقوام على اختلافها سواسية في نعمه وآلائه، وكلّهم نالوا نصيبا من دعوته وحظا من رحمته، وما من

(1) الرسالة المحمدية (ص: 194)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت