في تنفيذه، وذلك مما تعوّذ أئمة الأمة بالله من التقصير فيه فضلا عن تركه فقد كانوا- رحمهم الله- أبصر الناس بفقه أوامر الكتاب، وبالتقرب إلى الله بخدمته. لذلك فقد عكفوا على تدوين سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - رواية ودراية ونقدا وتمحيصا [1] . فقد «كان خلقه القرآن» ، فالقرآن جمّاع اخلاقه وعاداته. فقد كانت حياته اليومية صورة صادقة للتعاليم القرآنية. فإن لدى المسلم هاديا مزدوجا: القرآن الكريم من الناحية النظرية، وحياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كمثل كامل [2] .
جاء في صفة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - مما هو متفق عليه وأورده صاحب مشكل الآثار وغيره عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، - رضي الله عنه -، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ:"كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ: يَرْضَى لِرِضَاهُ، وَيَسْخَطُ لِسَخَطِهِ"وقال معلقًا:"وَهَذَا أَيْضًا أَحْسَنُ مَا يَكُونُ النَّاسُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ آدَابِ الْقُرْآنِ وَمِنْ مَا دَعَا اللهُ النَّاسَ فِيهِ إِلَيْهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ذَلِكَ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْهُ إِلَى مَا سِوَاهُ. . . . . عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ:"كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللهِ - عز وجل: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ؟"قُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ، قَالَتْ:"فَلَا تَفْعَلْ، أَمَا تَقْرَأُ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] ؟ قَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَوُلِدَ لَهُ"وَكَانَ قَوْلُ عَائِشَةَ:"كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ"أَيِ: اتِّبَاعُ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ الْقُرْآنُ، وَتَرْكُ مَا يَنْهَاهُ عَنْهُ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ شَدَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِيمَا تَأَوَّلْنَا عَلَيْهِ جَوَابَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِلْأَعْرَابِ حِينَ سَأَلُوهُ: مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ؟ بِقَوْلِهِ:"خُلُقٌ حَسَنٌ"، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ. [3] وفي رواية عَنْ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَاثِشَةَ، فَقُلْنَا: يَا أم الْمُؤْمِنِينَ، مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْانَ تَقْرَؤُنَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَتِ: إِقْرَا: (قَدْ افْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) قَالَ يَزِيدُ: فَقَرَاتُ: قَدْ افْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - إِلَى: لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. قَالَتْ: كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - [4] ."
إن من سُنن الله - سبحانه وتعالى - أن المعاني المجرَّدة لا تستقرُّ في النفوس، فهي في حاجة إلى قدوة، إلى مثال مجسَّد محسوس، واقعي مشاهَد، يطبِّق ما يقول، ويجسِّد في حياته كلَّ ما ينادي به؛ ولذلك
(1) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (المقدمة)
(2) حياة محمد ورسالته (ص: 264)
(3) شرح مشكل الآثار (11/ 265) الحديثين (4434) (4435)
(4) أخرجه البخاري في (الأدب المفرد) (308) و"النَّسائي"في"الكبرى"كما في تحفة الاشراف 17688 عن قُتيبة.