وهذه الخاصّةُ كانت من أعظم الأدلة على صِدقِه فيما جاء به، إذ قد جاء بالأمر وهو مؤتَمِر، وبالنهي وهو مُنْتهٍ، وبالوعظِ وهو مُتَّعِظ، وبالتخويف وهو أول الخائفين، وبالترجية وهو سائقُ دابّةِ الراجين.
وحقيقةُ ذلك كلِّه: جعلُه الشريعةَ المنزَّلةَ عليه حُجّةً حاكمةً عليه، ودلالةً له على الصراطِ المستقيمِ الذي سارَ عليه - صلى الله عليه وسلم -.
ولذلك صار عبدَ الله حقًا، وهو أشرف اسم تُسمّى به العبادُ، قال تعالى: (سبحان الذي أَسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام) (من سورة الإسراء، الآية 1.) . وقال أيضًا: (تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده) (من سورة الفرقان، الآية 1.) . وقال أيضًا: (وإن كُنتُم ف رَيبٍ مما نَزَّلنا على عبدِنا) (من سورة البقرة، الآية 23.) . وما أشبَه ذلك من الآيات التي وقع مدحُه فيها بصفةِ العُبودية. وإذا كان ذلك فسائرُ الخلقِ حَرِيّون بأن تكون الشريعةُ حاكمةً عليهم، ومنارًا يهتدون بها إلى الحق. وشرَفُهم إنما يَثبُت بحسب ما اتصفوا به من الدخول تحت أحكامِها، والعمل بها قولًا واعتقادًا وعملًا، لا بحسب عقولِهم فقط، ولا بحسب شرفِهم في قومِهم فقط، لأن الله تعالى إنما أثبت الشرفَ بالتقوى لا غير، لقوله: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (من سورة الحجرات، الآية 13.) .
فمن كان أشَدَّ محافَظَةً على اتِّباع الشَّرَف، فهو أولى بالشَّرَفِ، ومن كان دون ذلك لم يكن ـ له ـ أن يَبْلُغَ في الشرف مَبلَغَ الأعلى في اتباعِها. فالشَّرَفُ إذًا إنما هو بحسب المُبالغة في تحكيم الشريعة. . . . انتهي كلام الشاطبي باختصارٍ يسيرٍ" [1] "
(1) الرسول المعلم -أبو غدة (ص: 50) وما بعدها وجاء في الهامش قال العلامة الحَجْوي في (( الفِكْر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي) (1:154) : (ومن شواهد أن البيانَ بالفعل أقوى من البيان بالقول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تَمَّ الصُلحُ بينه وبين كفارِ قُريش في الحُدَيْبيّة، أَمَر أصحابه أن يَتحلّوا من إحرامهم، ويَنْحُروا هَدْيَهم، فقال لهم: (( قوموا فانحَروا ثم احلِقوا) ، فَتَوانَوا في ذلك إذ لم يَستَحْسِنوا الصلحَ ورأو القتال أفضل.
فدخَلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على زوجِه أمِّ سَلَمة رضي الله عنها واخبرَها بتَخلُّفِ الناس عن أمرِهِ، فأشارَتْ على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يَحلق رأسَه، ويَنْحَر هَدْيَه، فإنهم لا محالةَ يقتدون به، ففَعَلَ، فلما رأوا ذلك قاموا فَنَحروا، وجعَلَ بعضُهم يَحلِقُ بعضًا حتى كاد بعضُهم يقتُلُ بعضًا غَمًا.
وهذا من كمالِ عقلِ السيدةِ أم سلمة رضي الله عنها، إذ فهِمتْ أنهم استَصعَبوا التحلُّلَ من النسك قبل استيفاء المناسك، وأن البيان بالفعل أقوى من القول، فكان الأمر كما فَهِمتْ رضي الله عنها )) . انتهى بزيادة يسيرةٍ.