كما إني أحببت - وهذا هو الأمر الذي حدآني أصلًا لهذا - أن أجمع في مكان واحد كل ما كانت وقعت عليه عيني، أو طالته يدي، - مما كنت قرأته قديمًا، أو حديثًا - مما اتفق لهما معًا يستوي في ذلك ما ذكر من الفضائل أو المتابعة أو الثناء، - مما سيأتي ذكره - فاستعنت بالله - عز وجل - وبدأت ما كان قد هاتفني به خاطري يومًا، - وشرعت فيه ولم أكمله - وعزمت على تنقيته وتصفيته، و تهذيبه واختصاره، وضمنته هذه الرسالة.
وأرجوا من الله - عز وجل - أن أكون بهذا قد قدمت ولو جزءًا يسيرًا، مما يدل على محبتهما، ومعرفة قدرهما وفضلهما، وأشهد الله - عز وجل - والملائكة والناس أجمعين: على محبتهما ومعرفة فضلهما ومكانتهما. وأني اعد ذلك من الأعمال الصالحة والقرب النافعة - عندي على قلتها وضعفها -، والتي أحب أن ألقى الله - عز وجل - بها، واسلي نفسي بذلك دومًا، ولسان حالي ومقالي، في حلي وترحالي، ما قاله رسولنا - صلى الله عليه وآله وسلم: (( المرء مع من أحب ) ) [1] ، ومتذكرًا قول إمامنا أبو عبدالله الشافعي - رحمه الله:
أحب الصالحين ولست منهم = لعلّي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي = ولو كنا سواء في البضاعة
مستحضرًا ما كان سلفنا يوصي به بعضهم بعضًا ألا وهو: (حب الشيخين) ، كما في مثل قول شعيب بن حرب: قلت لمالك بن مغول: أوصني. قال: أوصيك بحب الشيخين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فوالله إني لأرجو لك في حبهما، ما أرجو لك في التوحيد" [2] ."
(1) قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: (( جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال يا رسول الله! كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم:(المرء مع من أحب ) ). أخرجه البخاري رقم: (5817) ، ومسلم رقم: (2640) . وأخرجه البخاري رقم: (5818) ، ومسلم رقم: (2641) . عن أبي موسى- رضي الله عنه.
(2) طبقات المحدثين بأصبهان (2/ 244) لابن حيان.