كما أن في ذكرهم وتذكرهم تسلية لنا عن وصلهم، ومداواة لوجع بعدهم، ومد لجسر الوصل بيننا وبينهم، على حد قول الأول:
إنا على البعاد والتفرُقِ = لنلْتقِي بالذكْرِ إنْ لم نَلْتَقِ
وتذكير وإشارة إلى استحالة وجود مثلهم [1] ، وهو إلى هذا وذاك يحثنا على الاستكثار من الخيرات والطاعات، والاستفادة من خبراتهم، وثمرات تجاربهم، وزُبد أفكارهم، والتي ينتفع الإنسان منها في معاشه ومعاده - ولا بد، ويستضيء بها عند إصداره وإيراده، وتوصله للمنهج القويم والطريق المستقيم، ولا عجب من ذلك، فقد كانوا هم تلاميذ الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - الكريم، وحملة القرآن العظيم، والسنة النبوية الكريمة. وقد أجمع السلف على فضلهما على غيرهما، وأنه من الواجبات، قال شيخ الإسلام:"معرفة فضلهما على من بعدهما واجبًا لا يجوز التوقف فيه" [2] فلا يخالف في هذا إلا مبغض أو حاسد أو جاهل.
ولذلك ففيه - إلى جميع ذلك - فائدة أخرى - يحسن بي ذكرها، والإشارة إليها - ألا وهي: أن فيه تذكرة - أيضًا - كما لا يخفى لخصومهم، وردًا على كل من عابهم وتنقصهم، أو لمزهم وغمزهم. ونحن وإن كنا لم نشر إلى أقوالهم - أدنى إشارة - فضلًا عن
(1) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:"إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه ...". أخرجه أحمد رقم: (3600) وحسنه جمع، ومنهم الألباني.
(2) مجموع الفتاوى (4/ 435) .