عباس، وبه قال مجاهد. والثالث: أنه الإِمام الذي يُقتدَى به، قاله قتادة، ومقاتل، وأبو عبيدة، وهو في معنى القول الأول" [1] ."
-قال عبد الرحمن بن ناصر السعدي:" {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} أي: إماما جامعا لخصال الخير هاديا مهتديا، {قَانِتًا لِلَّهِ} أي: مديما لطاعة ربه مخلصا له الدين، {حَنِيفًا} مقبلا على الله بالمحبة، والإنابة والعبودية معرضا عمن سواه، {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} في قوله وعمله، وجميع أحواله لأنه إمام الموحدين الحنفاء" [2] .
-الآية الثالثة: قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} سورة البقرة، الآية:124.
*الإمام لغة:"الأمُّ بالفتح القَصْد، أَمَّهُ يَؤُمُّه أَمًّا إِذا قَصَدَه" [3] .
*بعض ما ورد في تفسير هذه الآية:
-قال الإمام الطبري:"يعني جل ثناؤه بقوله: (وإذ ابتلى) ، وإذا اختبر، يقال منه:"ابتليت فلانا أبتليه ابتلاء"، ومنه قول الله عز وجل: (وابتلوا اليتامى) [سورة النساء: 6] ، يعني به: اختبروهم، وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم، اختبارا بفرائض فرضها عليه، وأمر أمره به، وذلك هو الكلمات [4] التي أوحاهن إليه، وكلفه العمل بهن، امتحانا منه له واختبارا" [5] .
(1) - زاد المسير في علم التفسير: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 1، 1422 هـ، ج 2 ص 592.
(2) - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1420 هـ-2000 م، ص 451.
(3) - لسان العرب: ابن منظور، باب الألف، مادة أمم، ج 1 ص 132.
(4) -قال الطبري في كتابه جامع البيان في تأويل القرآن ج 2 ص 7 - 15:"ثم اختلف أهل التأويل في صفة"الكلمات"التي ابتلى الله بها إبراهيم نبيه وخليله صلوات الله عليه:"
-قال بعضهم: هي شرائع الإسلام، وهي ثلاثون سهما-ثم روى بأسانده ما جاء فيه ومن ذلك ما قال:- حدثنا إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد الطحان، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم، ابتلي بالإسلام فأتمه، فكتب الله له البراءة فقال:"وإبراهيم الذي وفى"، فذكر عشرا في"براءة"فقال: (التائبون العابدون الحامدون) إلى آخر الآية، وعشرا في"الأحزاب" [35] ، (إن المسلمين والمسلمات) ، وعشرا في"سورة المؤمنون" [1 - 9] إلى قوله: (والذين هم على صلواتهم يحافظون) ، وعشرا في"سأل سائل" [22 - 34] (والذين هم على صلاتهم يحافظون) .
-وقال آخرون: هي خصال عشر من سنن الإسلام-ثم روى بأسانيده ما جاء فيه ومن ذلك ما قال:- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات"قال، ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
-وقال بعضهم: بل"الكلمات"التي ابتلي بهن عشر خلال; بعضهن في تطهير الجسد، وبعضهن في مناسك الحج -ثم روى بأسانده ما جاء فيه ومن ذلك ما قال:-حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال: حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن حنش، عن ابن عباس في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن"قال، ستة في الإنسان، وأربعة في المشاعر. فالتي في الإنسان: حلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة. وأربعة في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة.
-وقال آخرون: بل ذلك:"إني جاعلك للناس إماما"، في مناسك الحج -ثم روى بأسانده ما جاء فيه ومن ذلك ما قال:- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن"، فالكلمات:"إني جاعلك للناس إماما"، وقوله:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس"، وقوله:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى"وقوله:"وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل"الآية، وقوله:"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت"الآية. قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم.
-وقال آخرون: بل ذلك مناسك الحج خاصة-ثم روى بأسانده ما جاء فيه ومن ذلك ما قال:-حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات"قال، مناسك الحج- وقال آخرون: هي أمور، منهن الختان-ثم روى بأسانده ما جاء فيه ومن ذلك ما قال:- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سلم بن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات"قال، منهن الختان.
-وقال آخرون: بل ذلك الخلال الست: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلي بهن فصبر عليهن-ثم روى بأسانده ما جاء فيه ومن ذلك ما قال:- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: قلت للحسن:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن". قال: ابتلاه بالكوكب، فرضي عنه؛ وابتلاه بالقمر، فرضي عنه؛ وابتلاه بالشمس، فرضي عنه؛ وابتلاه بالنار، فرضي عنه؛ وابتلاه بالهجرة، وابتلاه بالختان.
-وقال آخرون بما: حدثنا به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثناأسباط، عن السدي: الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم ربه: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) [سورة البقرة: 127 - 129]
-وبعدها قال:- والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عباده أنه اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهن إليه، وأمره أن يعمل بهن فأتمهن، كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل، وجائز أن تكون تلك الكلمات جميع ما ذكره من ذكرنا قوله في تأويل"الكلمات"، وجائز أن تكون بعضه. لأن إبراهيم صلوات الله عليه قد كان امتحن فيما بلغنا بكل ذلك، فعمل به، وقام فيه بطاعة الله وأمره الواجب عليه فيه. وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز لأحد أن يقول: عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئا من ذلك بعينه دون شيء، ولا عنى به كل ذلك، إلا بحجة يجب التسليم لها: من خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من الحجة. ولم يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته"."
(5) - جامع البيان في تأويل القرآن: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، ج 2 ص 7.