الصفحة 23 من 37

فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة، وأحسن إشارة بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التى لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه فكيف تغني عنه شيئا أو تفعل به خيرا من رزق أو نصر؟، ثم قال منبها على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع وإن كان أصغر سنا من أبيه (يا أبت إنه قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا) أي مستقيما واضحا سهلا حنيفا يفضي بك إلى الخير في دنياك وأخراك، فلما عرض هذا الرشد عليه وأهدى هذه النصيحة إليه لم يقبلها منه، ولا أخذها عنه، بل تهدده وتوعده، قال (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك) ، قيل بالمقال وقيل بالفعال، (واهجرني مليا) أي واقطعني وأطل هجراني.

فعندها قال له إبراهيم (سلام عليك) أي لا يصلك مني مكروه، ولا ينالك مني أذى بل أنت سالم من ناحيتي، وزاده خيرا فقال (سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا) ، قال ابن عباس وغيره أي لطيفا، يعني في أن هداني لعبادته والإخلاص له، ولهذا قال: (واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا) .

وقد استغفر له إبراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته.

فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} سورة التوبة، الآية 114.

الفرع الثاني: دعوته قومه.

ذكر الله تعالى في القرآن الكريم حال قوم إبراهيم عليه السلام، وما هم عليه من الشرك والضلالة، وعبادة غير الله تعالى في آيات كثيرة، وأن منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الكواكب، وأنه عليه السلام دعا قومه إلى عبادة الله تعالى، وجادلهم فيما هم من الباطل والضلال، وناقشهم في ذلك ودحض شبههم قولا وفعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت