صحيح أن الإسلام لم يحرم نكاح المتعة في أول الأمر، ولكن ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حرمه أخيرًا، ثم أجمعت الأمة على ذلك [1] ،
(1) - ففي المحلى بالآثار - (ج 1 / ص 5048) برقم (1858) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ , وَهُوَ النِّكَاحُ إلَى أَجَلٍ , وَكَانَ حَلَالًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم نَسْخًا بَاتًّا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَلَى تَحْلِيلِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ - رضي الله عنهم - مِنْهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم - أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ , وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , وَابْنُ مَسْعُودٍ. وَابْنُ عَبَّاسٍ , وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ , وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ , وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , وَسَلَمَةُ , وَمَعْبَدٌ ابْنَا أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَرَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ مُدَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمُدَّةَ أَبِي بَكْرٍ , وَعُمَرَ إلَى قُرْبِ آخَرِ خِلَافَةِ عُمَرَ. وَاخْتُلِفَ فِي إبَاحَتِهَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ , وَعَنْ عَلِيٍّ فِيهَا تَوَقُّفٌ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ إنَّمَا أَنْكَرَهَا إذَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا عَدْلَانِ فَقَطْ , وَأَبَاحَهَا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ. وَمِنْ التَّابِعِينَ: طَاوُسٌ , وَعَطَاءٌ , وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ , وَسَائِرُ فُقَهَاءِ مَكَّةَ أَعَزَّهَا اللَّهُ .. وَقَدْ تَقَصَّيْنَا الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ فِي كِتَابِنَا الْمَوْسُومِ بِ"الْإِيصَالُ"وَصَحَّ تَحْرِيمُهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ , وَعَنْ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ. وَاخْتُلِفَ فِيهَا: عَنْ عَلِيٍّ , وَعُمَرَ , وَابْنِ عَبَّاسٍ , وَابْنِ الزُّبَيْرِ. وَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهَا وَفَسْخِ عَقْدِهَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَبُو حَنِيفَةَ , وَمَالِكٌ , وَالشَّافِعِيُّ , وَأَبُو سُلَيْمَانَ. وَقَالَ زُفَرُ: يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَقَدْ صَحَّ تَحْرِيمُ الشِّغَارِ , وَالْمَوْهُوبَةِ , فَأَبَاحُوهَا , وَهِيَ فِي التَّحْرِيمِ أَبْيَنُ مِنْ الْمُتْعَةِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يُبَالُونَ بِالتَّنَاقُضِ. وَنَقْتَصِرُ مِنْ الْحُجَّةِ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى خَبَرِ ثَابِتٍ - وَهُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقَالَ"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: {مَنْ كَانَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً إلَى أَجَلٍ فَلْيُعْطِهَا مَا سَمَّى لَهَا , وَلَا يَسْتَرْجِعْ مِمَّا أَعْطَاهَا شَيْئًا , وَيُفَارِقْهَا , فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا عَلَيْكُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا حَرَّمَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَدْ أَمِنَّا نَسْخَهُ. وَأَمَّا قَوْلُ زُفَرَ فَفَاسِدٌ , لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ إلَّا عَلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. فَمَنْ أَبْطَلَ هَذَا الشَّرْطَ وَأَجَازَ الْعَقْدَ , فَإِنَّهُ أَلْزَمَهُمَا عَقْدًا لَمْ يَتَعَاقَدَاهُ قَطُّ , وَلَا الْتَزَمَاهُ قَطُّ , لِأَنَّ كُلَّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ يَدْرِي بِلَا شَكٍّ أَنَّ الْعَقْدَ الْمَعْقُودَ إلَى أَجَلٍ هُوَ غَيْرُ الْعَقْدِ الَّذِي هُوَ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ [بِلَا شَكٍّ] . فَمِنْ الْبَاطِلِ إبْطَالُ عَقْدٍ تَعَاقَدَاهُ وَإِلْزَامُهُمَا عَقْدًا لَمْ يَتَعَاقَدَاهُ , وَهَذَا لَا يَحِلُّ أَلْبَتَّةَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَنَا بِهِ الَّذِي أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ , لَا أَحَدَ دُونَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ"
وفي المغني لابن قدامة - (ج 15 / ص 254) برقم (5488) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ) مَعْنَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ مُدَّةً، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي شَهْرًا، أَوْ سَنَةً، أَوْ إلَى انْقِضَاءِ الْمَوْسِمِ، أَوْ قُدُومِ الْحَاجِّ.
وَشِبْهَهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً أَوْ مَجْهُولَةً.
فَهَذَا نِكَاحٌ بَاطِلٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: نِكَاحُ الْمُتْعَةِ حَرَامٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهَا رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ حَرَامٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَنْصُورٍ سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْهَا، فَقَالَ: يَجْتَنِبُهَا أَحَبُّ إلَى.
وَقَالَ فَظَاهِرُ هَذَا الْكَرَاهَةُ دُونَ التَّحْرِيمِ.
وَغَيْرُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا يَمْنَعُ هَذَا، وَيَقُولُ: فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ فِي تَحْرِيمِهَا.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ تَحْرِيمُهَا عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَى تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ مَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَاللَّيْثُ فِي أَهْلِ مِصْرَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسَائِرُ أَصْحَابِ الْآثَارِ وَقَالَ زُفَرُ: يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهَا جَائِزَةٌ.
وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ عَطَاءِ وَطَاوُسٍ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَجَابِرٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشِّيعَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِيهَا، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: {مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَأَنْهَى عَنْهُمَا، وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا؛ مُتْعَةُ النِّسَاءِ، وَمُتْعَةُ الْحَجِّ.} وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَيَكُونُ مُؤَقَّتًا، كَالْإِجَارَةِ.
وَلَنَا مَا رَوَى الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي، أَنَّهُ حَدَّثَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ} .
وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ.} .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي كُنْت أَذِنْت لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ قَوْمٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا أَحَلَّهُ اللَّهِ ثُمَّ حَرَّمَهُ، ثُمَّ أَحَلَّهُ ثُمَّ حَرَّمَهُ، إلَّا الْمُتْعَةَ.
فَحَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، ثُمَّ أَحَلَّهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ حَرَّمَهَا، وَلِأَنَّهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ، مِنْ الطَّلَاقِ، وَالظِّهَارِ، وَاللِّعَانِ، وَالتَّوَارُثِ، فَكَانَ بَاطِلًا، كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْبَاطِلَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، فَرَوَى أَبُو بَكْرٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَقَدْ كَثُرَتْ الْقَالَةُ فِي الْمُتْعَةِ، حَتَّى قَالَ فِيهَا الشَّاعِرُ: أَقُولُ وَقَدْ طَالَ الثَّوَاءُ بِنَا مَعًا يَا صَاحِ هَلْ لَك فِي فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسِ هَلْ لَك فِي رُخْصَةِ الْأَطْرَافِ آنِسَةٌ تَكُونُ مَثْوَاك حَتَّى مَصْدَرِ النَّاسِ فَقَامَ خَطِيبًا، وَقَالَ: إنَّ الْمُتْعَةَ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
فَأَمَّا إذْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَقَدْ ثَبَتَ نَسْخُهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ إنْ صَحَّ عَنْهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الْإِخْبَارَ عَنْ تَحْرِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا، وَنَهْيِهِ عَنْهَا، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى عَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَهُ، وَبَقِيَ عَلَى إبَاحَتِهِ.