وإذا كانت هذه الإجراءات جزءًا من فتح صفحة جديدة في السياسة والاقتصاد والحريات والتعددية والتداول السلمي للسلطة، فلماذا يغلب عليها البطء والتردد ونظام التقسيط أو (الجرعات) ؟ وهل للحرس القديم، ومراكز القوى دور في (الفرملة) أو التقسيط أو حتى الإجهاض أو الإحباط؟
أيًّا كانت التفسيرات، فلابد من تقويم الخطوات الإيجابية التي حصلت، والتشجيع على استكمالها، وطلب التأسيس عليها، وهذا لا يمنعنا من إبداء النقد للمظاهر السلبية أو لفت النظر إلى الأمور التي تستدعي المعالجة أو إعطاء الأولوية لمسائل محددة بعينها قبل غيرها حتى تتم معالجتها والسيطرة عليها، منها قضية (( حقوق الإنسان ) )وهي قضية القضايا التي لا تتأخر، ولا يمكن الانتظار طويلًا من أجل حلها وإزالة آثارها الكارثية.
وفي هذا السياق نعرض واقعة من الوقائع المذهلة، تعين على الاستبصار، وعلى تقدير حجم المشكلة، وعلى مدى خطورة آثارها المحلية والقومية والإنسانية والسياسية، وهي تذكرنا بأن كل ماقيل ويقال عن حقوق الإنسان عامة وفي سورية خاصة .. أقل من حقيقة المعاناة الرهيبة التي يرزح تحت وطأتها المواطن أو الشقيق المعتقل سياسيًا، وأقل من حقيقة الخروق والتجاوزات تتحدث عنها الأدبيات والجداول والقوائم التي تصدر عن أطراف المعارضة السورية أو المنظمات المختصة بالدفاع عن حقوق الإنسان لأن (( الحكي غير الشوف ) )و (( الذي يأكل العصي ليس مثل الذي يعدها ) ).
اعتقال حسين بن محفوظ (( مواطن يمني ) ).. بتاريخ 26/ 6/2000م أي بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد بستة عشر يومًا، وصل مواطن يمني من صنعاء على طائرة (( الخطوط الجوية السورية ) )إلى (( دمشق ) )اسمه الشيخ حسين بن محفوظ، وهذه هي زيارته الأولى للقطر السوري، ولعلها تكون الأخيرة، وفي مطار دمشق تقدم بجواز سفره للتأشير عليه بالدخول، فاستُدعي على حدة، ونُقل فورًا إلى حيث التحقيق معه في أحد أجهزة المخابرات.
سبب زيارة هذا المواطن اليمني هو العمل بنصيحة بعض الأصدقاء الذين أشاروا عليه بأن في سورية كتبًا ومراجع علمية تفيده في تحضير رسالة الماجستير المُكلف بها.
لما طال غياب المواطن اليمني على أهله وعلى رواد مسجده - وهو خطيب ومدرس في أحد مساجد صنعاء - بدأ تململ ذويه وتساءلوا عن مصيره، فتحرك نفر منهم، وقابلوا الشيخ عبد الله الأحمر (( رئيس مجلس الشورى اليمني ) )بصفته وجهًا بارزًا من وجوه السياسة، وهو في الوقت نفسه (( شيخ مشايخ قبيلة حاشد ) )التي ينتمي إليها المواطن اليمني المفقود.