فهرس الكتاب

الصفحة 689 من 711

فسكت لبرهة ثم ذهب إلي مكتب المدير الذي استدعاني إلي مكتبه مرة أخري وسألني:

ـ شو جنسيتك ولا؟

ـ بريطاني

م .. ك، أنت عراقي، ثم خاطب الحراس: نزلوا هالكلب علي المنفردة

عند ذلك فقدت صبري وقلت له: أي منفردة؟ وما هي تهمتي، ولماذا تعاملونني بهذا الأسلوب؟

ففوجئت به يصرخ بأعلى صوته: ولك خدو هالحمار علي المنفردة (11) ، ولم يكد ينتهي من عبارته حتي هجم علي عدد من الحراس وجروني بعنف خارج المكتب وهم يصرخون بي: نزل راسك ولا، خليك ماشي عالحيط، وأنزلوني بالسلالم إلي القبو حيث رأيت عددًا من الأبواب الحديدية علي جانبي الممر، وكانوا يركضون أمامي وخلفي حتى انتهينا إلي آخره ففتحوا أحد هذه الأبواب ورموني في المنفردة (11) .

· المنفردة (11)

أطرق السيد هلال علي لفترة وحاول أن يفهمني بجمل مبعثرة بأن كل الذي حكاه لي كان مقدمة قصيرة لفصول المعاناة الطويلة التي أمضاها في الزنزانة المنفردة لستة أشهر متوالية. كان طول الزنزانة 180 سم وعرضها 80 سم تنبعث منها رائحة كريهة ولا تصل إليها سوي كمية ضئيلة من التهوية والنور، ولذلك فقد أصبحت مرتعًا للقمل والصراصير. ولأن طول هلال 190 سم فلم يكن قادرًا علي التمدد لمدة ستة أشهر فانحني ظهره وأصبح يمشي مشية عجوز تجاوز الثمانين من العمر.

كان يتذكر الأحداث بصعوبة لأنه يريد أن ينسي هذه الحقبة السوداء من حياته، ولكن أنين المعذبين ومعاناة المعتقلين كانت تدفعه لأن يستحضر كل شاردة وواردة لأنه عاهدهم أن يخبر العالم بما رآه ويستصرخ أصحاب الضمائر الحية للمساعدة في رفع المعاناة عن مئات المساجين الذين تم اعتقالهم ـ مثله ـ عن طريق دليل الهاتف دون سابق تهمة أو اشتباه.

ارتمي هلال علي أرض الزنزانة وجلس علي بطانية رطبة نتنة، وأخذت الهواجس تتلاعب به، فتذكر رحلته البائسة من حماة إلي دمشق، وطول الانتظار في فرع فلسطين وخشونة التعامل التي لقيها من الحراس. لقد أصبح اسمه من الآن فصاعدًا: منفردة (11) والويل له إذا ذكر اسمه الحقيقي، وصار بين عشية وضحاها سجينًا مسلوب الإرادة لا يملك من أمره شيئًا، بل إنه فقد اسمه وأصبح رقمًا آخر في عداد المفقودين داخل فرع فلسطين. لقد لازمه الشك بأن هنالك خطأ ما وسيفرج عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت