الشيخ أبو حذيفة إليه مسرعًا، ووضع كفه على رأسه حيث الدماء تنزف من بين أصابعه وهو يقرأ من ذكر الله ما تيسر له، إيمانًا منه بأن الله قد يخفف عنه الألم وينقطع النزيف.
إنه صباح تدمري آخر، دائمًا هو ممزوج بالموت والتعذيب الذي لا يمكن أن يتحمله بشر على وجه هذه البسيطة، ضيق المكان كهوف مظلمة، سوط الجلاد وعصاه المعدنية، كلها في الذاكرة اليومية، ننام مجبرين مبكرًا ونستيقظ كذلك، طبول كثيرة تقرع في رؤوسنا وأصوات المعذبين في الباحات الأخرى تنذر بقدومهم إلينا. ما يدهشني أننا نصمد من الصباح حتى المساء، والصمت لغتنا، ذلك الذي يسكنه الخوف والترقب، الكل حزين وبائس وصامت. بعضنا يقرأ القرآن في سريرته دون أي حركة من الشفاه خوفًا من أن يراه الحراس، آخرون يضعون روؤسهم بين أرجلهم، حيث تذرف الدموع من أعينهم خجلًا من أن يراهم أحد من الداخل .. إنه الجحيم، وألسنة اللهب تطال الجميع شابًا وكهلًا، معافى ومريضًا، مجنونًا وصاحيًا.
هرع الجميع فجأة إلى الزواية ووجههم باتجاه الحائط ورئيس المهجع إلى الباب .. حاضر سيدي، حاضر. الرقيب كان حاضرًا إلى الباب دون أن يشعر أحد بقدومه رغم الصمت الذي كان يخيم على المكان الرقيب .. اسمع ولاك ليش كل هذا الصوت طالع من عندك يا رئيس المهجع يا ابن الشرموطة .. حاضر سيدي. تعال يا شرموط اخرج إلى الباحة حتى تتأدب ويتأدب كلابك. خرج رئيس المهجع ولم نسمع صوته الذي اختفى تحت صوت الكرابيج الغليظة التي تطلق صوتًا قويًا. لقد عرّوا ظهره وجلدوه ما يقارب مائتي جلدة وأدخلوه بعدها إلى المهجع .. فقال له: اسمع .. اسم هذا الكلب موجود عندك في المهجع، شنهو [1] الاسم سيدي .. حسن .. نعم سيدي موجود. هرعت إلى الباب مسرعًا لا أدري ماذا أفعل، وعزائمي قد انهارت وتسارعت دقات قلبي الذي يكاد أن يخرج من بين أضلعي، وارتفعت حرارة جسدي، ولكن سأخرج على كل حال.
صاح بي .. اخرج يا ابن القحبة دوختني عليك، الآن تعرف شو راح نعمل فيك .. يا ابن الشرموطة .. خرجت ووضع السوط في رقبتي وأنا منحني الرأس والظهر، جرني كما يجر كلبًا مصاب بالجرب، يهددني بالموت وأنه سوف يضع حبل المشنقة حول رقبتي، ويتهمني بأنني كنت مختبأ وهم يبحثون عني منذ الصباح، وأنا الذي حفرت قبري بيدي، وكأن لي يدين في هذا الظلام.
خوف اللحظة قد اختفى وحضر الخوف القادم الذي لا أعلم عنه شيئًا، إن قال الإعدام شنقًا أو ضربًا بالعصي فهو صادق .. إن جسدي ملعون بالنسبة لهم، وكل خلية فيه هي ملك لهم وفناءه ليس مستحيلًا. ونحن في الطريق أوقفه احدهم وسأله:
(1) شنهو: من اللهجة الفراتية (للاستفسار) .