نظرت حولي، رأيت الناس يستولي عليهم حزن عميق وقد وهنت قواهم ولا يدرون ما هم فاعلون، بالرغم من كل ما حصل من تعذيب وضرب، حيث أصبحت أجسادنا مشوهة وأرجلنا منفوخة من الضرب عليها بالعصي والكرابيج ووجوهنا متورمة، حيث أصبحت عين أحدنا بحجم الليمونة، أما الآذان فطول إحداها يتجاوز ورقة التين بالحجم واللون، الأنف والفم والخد جفت جميعًا، فإذا نزلت بنا حارقة لم تجد منا إلا الرماد، لقد تعبنا وكل شي فينا تعب، وكانت أصداء الليل تدور من حولنا ومعها شبح العزلة والموت. نحن الآن داخل المهجع، همّ بعض السجناء الذين كابروا على جراحهم وبدأوا بترتيب المكان (من توزيع البطانيات المهترئة الموجودة سابقًا في أرض المهجع، مليئة بالقمل والصراصير والفئران والجرذان والدماء الجافة) وُزعت علينا بالتساوي، بحيث حصل كل فرد منا على بطانية واحدة فقط وعازل، بالنسبة لبرودة الطقس هذا لا يكفي، قسّمنا أنفسنا إلى مجموعات، كل مجموعة ثمانية أفراد، فرشنا الأرض بالعوازل، ثم حددنا لكل مكانه الذي ينام فيه ويجلس عليه ويأكل، بحيث أصبحت الحصة الواحدة لكل فرد حوالي 25 سم. إنه مكان واسع قياسًا بأماكن الاعتقال الأخرى التي مررنا بها.
وفي صبيحة اليوم التالي، استيقظ الجميع في الساعة السادسة صباحًا حسب التعليمات الصادرة من إدارة السجن، وبعد قليل سمعنا صوتًا ينادي بنا: الجميع منبطحا أرضًا، ونفذنا الأمر بسرعة بالرغم من أجسادنا المتورمة التي لا تستطيع الحراك. قال لنا أحد العناصر من الشرطة: أدخلوا طعام الفطور، خرجنا ثمانية من الذين يستطيعون، خرجنا إلى الباحة لإدخال الطعام، قال لنا أحدهم: ما زلتم أحياء يا أولاد الـ ( .. ) يا خونة يا عملاء يا جواسيس، وبدأ الرفس والدفس على صدورنا وبطوننا وظهورنا بالأبواط العصي، ولا ندري كيف أدخلنا الطعام إلى داخل المهجع. نظرت إلى طعام الفطور، فإذا به (شاي بحدود 20 لتر موضوعة في أناء من البلاستيك والإناء الثاني فيه حبة زيتون واحدة والإناء الثالث فيه بيضة واحدة) ، ضحكنا كثيرًا عندما شاهدنا ذلك، إنه شيء مضحك حقًا، هل هذا معقول؟ إنه طعام لـ 96 سجينًا. سمع البقية من السجناء عن كمية الطعام، فأصروا على مشاهدتها، بالرغم من أنهم لا يستطيعون السير على أقدامهم، مما جعلهم مضطرين للتحقق من ذلك زحفًا على بطونهم للوصول. فقال أحد السجناء: هذا أهم إنجاز تحققه الثورة لنا، طعام أقل من القليل والعصي والكابلات والقضبان المعدنية والشتائم، والله لو كنت أسيرا عند العدو لن يفعلوا بنا كل هذا.
خيم الصمت .. رأيت رجالًا فقدوا كل شيء، فهل يقضي الزمان بأن يفترس منا كل شي، لقد ناجيت قلبي فلتنعم بهذا واجعله هدفًا للحياة، لا استسلام، فإذا بصراخ عالٍ صادر من دورات المياه يدعو ويطلب أن يفك عنه كربته، فذهب إليه البعض مسرعًا لتفقد أمره، فإذا به يحاول أن