هذا الشخص إلى أعلى وتمكن من رسمه. . فلما أجابنا جوابه ذاك الذي تقشعر له الأبدان قالت له الحاجة مديحة: - الآن فهمنا خيو. . معنى ذلك أنهم كانوا وصلوا إلى السقف فوق بعضهم البعض!
مزاح فقط!
مرت الليلة الأولى والثانية. . والثالثة ونحن نبيت وراء الباب جميعا ننتظر الإفراج كل لحظة ونظنه بات قاب قوسين أو أدنى. . فلما لم ننل إلا السراب وعدنا نتقلب بين التسويف والتجاهل خبت فرحتنا من جديد اين وانتكست أمالنا. . وعادت رتابة نظام السجن تلفنا مرة أخرى زاد عليها أننا عدنا إلى أيدي المخابرات مباشرة وخضعنا من جديد لأجواء الرعب والارهاب. كانت أيامنا في التحقيق العسكري كما فهمنما لاحقا أقرب ما تكون إلى فترة تأديب. . عاملونا فيها بقسوة بالغة، وضيقوا فيها علينا أشد مما كان التضييق حتى أيام كفرسوسة. . فالطعام أقل مما يكفي لنصف عددنا، والزنزانة مقفلة الأ بواب فلا نغادرها إلا للتنفس حسبما يقتضي مزاج العنصر وقتذاك: عشر دقائق أو ربع الساعة في اليوم وحسب، نمضيها في باحة داخلية ضيقة تحيطها الجدران المرتفعة من كل الإتجاهات، لكن الجوع والقلق والأ بواب المغلقة لم تكن لتفعل فينما ما تفعله صيحات الإستغاثة وصراخ المعذبين من حولنا. فعندما يحين وقت تنفس الشباب كانوا يخرجونهم راكضين لا ينتعلون في أرجلهم رغم شدة البرد شيئا. . يهرولون حفايا تتبعهم الكرابيج والكابلات وكأنهم قطيع غنم! ومن شدة اصفرارهم كنا نحس وكأن شعلة ضوء تخرج من كل فرد منهم. . ولا أزال أذكرأن أحد السجناء تأخر في إحدى المرات داخل الحمام بضع ثوان. . وكان بابه مجاورا لباب سجننا، فأخرجه العنصر المكلف بمراقبته وصار يعذبه عذابا أسوأ من عذاب العبيد. . فبعد اللسعات التقليدية بالكابل جعل هذا العنصر يأمره ونحن نسمع مايدور ويقول له: إحمل الشحاطة بفمك. فيمتثل المسكين لاحيلة له ويحملها. . فيقول له ثانية: - إزحف بها إلى التواليت. . والتواليت هناك يقرف الواحد من الإقتراب أو النظر إليه. . لكن هذا المجرم كان يقوده والشحاطة في فمه إلى هناك فيطمس له رأسه في الحفرة ثم يخرجه، ويعود بعدها فيأمره أن يحمل الشحاطة ثانية بفمه. . ليعود ويسوقه في اتجاه آخر وهو لا يكف عن لسعه وسلخه بالكابل. . وذاك يصيح ويستغيث وليس من مجيب. . وعندما فاض بنا الصبردقت الحاجة الباب وهي تصيح فيه: -هل أنتم يهود؟ ألا توجد رحمة في قلوبكم؟ وجعلنا ننادي جميعا ونقول له: - منشان الله إذا ما بدك ترحمه إرحمنا نحن وخذوه إلى مكان آخر عذبه فيه! فقال السفيه وظل ابتسامته الساخرة يتراءى لنا من وراء باب ا لحديد: -ليش شوفي؟ نحن نمزح مع بعضنا فقط!.