بين يدي الجلاد!
كان كل ما حولي يثير الفزع والإضطراب: هذا داخل وذاك خارج. . باب يقفل واخر من أين لا أدري يفتح. . وكل قادم أو عابر يحمل بيده جهاز لاسلكي أو كبلا أو أداة أخرى للتعذيب. . وفي البداية أدخلوني على مكتب رئيس الفرع ناصيف خير بك، فأحسست وكأنني انتقلت إلى عالم اخر. . فالغرفة واسعة دافئة أنيقة التأثيث، يمتد السجاد الفاخر على أرضهما بمهابة وقد توزعت عليه كنبات وثيرة ومكتبة ومكتب فاخر يحتل تمثال لرأس الرئيسس الأسد ركنا منه، بينما ينتصب في زاوية الغرفة القصوى تمثال برونزي آخر لرأس الرئيس بالحجم الطبيعي. وأما المقدم ناصيف الذي كان منهمكا بمحادثة لاسلكية وقتها فلم يعرني أكثر من نظرة ازدراء بطرف عينه، وأومأ للعنصرأن يعيدني إلى مكاني وأكمل حديثه. . ولم ألبث أن اقتادني ذاك ثانية إلى غرفة أخرى مقابل مكتب ناصيف، فوجدت مجموعة أشخاص مجتمعين على شاب مقيد يعذبونه ويحققون معه، وناصيف ممسك جهاز اللاسلكي بيده يتحدث فيه مرة ومع الشاب المسكين والعناصر مرة. ولم يلبث أن أشار بيده إلى العنصر الذي أحضرني فجذبني ذاك من منكبي وأمرني أن أنتظر خارج الغرفة من جديد، وأنا كالنائمة لا أكاد أقدر على متابعة المشاهد المتجددة والوجوه المتعاقبة والأصوات التي تختلط الشتائم فيها بالإستغاثات والآهات! وسرعان ما عاد العنصر فأدخلني الغرفة ذاتها لأحضر تعذيب الشاب نفسه لعلي أخاف وأتكلم ما يريدون. كانوا أربعة أو خمسة يشتركون في التعذيب أمامي بالكابل والعصي والخيزران والكهرباء: ناصيف خير بك رئيس الفرع، والرائد عبد العزيز ثلجة وهو رجل ضخم الجثة بالغ الجلافة، وعناصر آخرون كان أحدهم لم يبلغ العشرين بعد مجندا من درعا كما عرفت لاحقا ينادونه حسين، ولم أعرف من كان ذاك الشاب ولماذا يعذبونه، لكنه كان يصيح طوال التعذيب ويستغيث مناديا: - والله العظيم موأنا. . ثم اعترف اخر الأمر لا أدري ليتخلص من مزيد من العذاب أم لسبب اخر فأقرأنه قتل أحد الضباط. . وعندما اشتد التعذيب عليه وكاد صراخه يصيبني بالإنهيار التفت إلى العنصر معي وسألته: -لماذا أتيتم بي هنا؟ قال بسخرية: لا أعرف. . إسأليهم. قلت بانفعال: لا أريد أن أسألهم ولكن أنا ما عندي شيء لأعترف به ويضعوني في هذا الموقف فأتفرج على تعذيب الناس. ولم يزد العنصر عن أن هز كتفيه وابتسم متهكما وهو يقول: -لا أعرف. . لا علاقة لي بأي شيء هنا! واستمر الضرب والتعذيب حوالي نصف الساعة أنهضوا الشاب بعدها مضرجا بالدماء والكدمات فكبلوا يديه ورجليه، وفيما اقتادني العنصر وراءه لأكمل كما يبدو رؤية المشهد، سحب الرائد ثلجة الشاب إلى رأس الدرج، ثم ركله برجله بكل قسوة، فتدحرج هاويا يئن، ونادى على أحد ما