فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 711

عبر ممر كئيب في القبو أخذوني إلى غرفة أخرى للتحقيق وجدت في صدارتها وجها جديدا هو الرائد تركي. . أجلسني على طرف سرير عسكري في طرف الغرفة وجعل على مدى نصف ساعة تقريبا يعيد تلاوة نفس الإتهامات علي بشكل سؤال وجواب، ويدونها في سجل معه. كنت من تعبي وارهاقي لا أستطيع متابعة كلامه أو حتى فتح عيني. . فكنت أكبو قليلا ثم أنتبه فأشد نفسي. . وعندما كان يبلغني صوته الأجش بعربيته الثقيلة أحس وكأن أمعائي توشك أن تخرج كلها من فمي. . فلما انتهى كان أملي الوحيد في كل الدنيا وقتها أن أجد ولو بلاطة ألقي عليها جسمي المنهك وأنام. . لكن العنصر عاد واقتادني عبر الممر نفسه إلى غرفة أخرى في القبو وجدت فيها ضابطا اخر برتبة رائد استقبلني من فوره بعبارات بذيئة وكلام قذر. . واللهجة العلوية واضحة عليه. . واستمر حوالي الساعة يسمعني العبارات ذاتها: - أنت من الإخوان. . وأنت منظمة اعترف الجميع عليك. . وأنت قمت بأعمال كثيرة تضر بالوطن ولا تستحقين أقل من عقوبة اللإعدام. . كان كلامه أقرب إلى شريط تسجيل منه إلى الحديث. . يعيده بحرفيته ويكرره فلا أميز انتهاء المقطع من بداية مقطع جديد إلا من اختلاف الشتيمة أو تغير عبارات السخرية والإستفزاز. . ووجدتني وكأنما تحول رأسي إلى جرس كبير يقرع هذا الرجل عليه كل لحظة بكلماته فيرتج ولا يستقر. . وتتكرر فيه العبارات فيزداد اهتزازا وضجيجا: - الجميع اعترف عليك. . الجميع اعترف عليك. . أنت منظمة. . ضد الوطن. . إلى الإعدام. . إلى الإعدام. . إلى الإعدام! وكأنما غبت عن الوجود اخر الأمر، فما وجدتني إلا وعنصر اخر يدخل الغرفة وملك وماجدة في طرف اخر منها ويسأل: - ألم تجوعوا يا بنات؟ قلناله: لا، لم نجع. فرد بلهجة ذات مغزى: الآن سنطعمكم فروجا مشويا على أية حال! قلت له وقد فهمت أنه يقصد التعذيب: نحن بغنى عن طعامكم. جذبنا نحن الثلاثة، ووجدتهم يقتادوننا عبر الممر نفسه فالسلم حتى بوابة الفرع، ولما سألته وقد دب في القلق من جديد: - إلى أين؟ قال: الان سترون. أصعدونا في سيارة عسكرية نحن الثلاثة قبالة بعضنا البعض، وصعد عنصران مسلحان وراءنا، ولم تلبث السيارة أن انطلقت بسرعة مجنونة كأنما تريد أن تقفز فوق بقية السيارات التي كانت تخلي لها الطريق من بعيد، وأمامنا سيارة أخرى تطلق الصفير المدوي، وثالثة من خلفنا للحماية أو المراقبة. . ولم نكد نبدأ مع انعطافات السيارة العنيفة في الصعود والهبوط حتى تملك ملك الدوار وأخذت في الإستفراغ، فملأت السيارة من مخلفات جوفها، وجعلتنا ونحن في حالتنا المبكية نكاد نختنق، فأملنا رأسها للوراء باتجاه الباب الخلفي بين العنصرين، فجعلت تكمل تقيؤها بينهما طوال الطريق، من فرع التحقيق العسكري بالعباسيين إلى سجن أمن الدولة بكفر سوسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت