وقال ابن القيم في تفسير قوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويُسلموا تسليمًا} . أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسمًا مؤكدًا بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج، وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة، وانتفاء المعارضة والاعتراض .. ا- هـ.
قلت هذا كلام ابن القيم .. أهكذا ترون حال المبدل لشرع الله تعالى بشرائع الكفر والطغيان .. ؟!!
قالوا الحاكم بغير ما أنزل الله يُنظر حاله فإن ترك حكم الله مستحلًا لذلك، أو رأى أنه مخير فيه، أو أن حكم الله لا يصلح لرعاية شؤون الناس، أو أن حكم غير الله أصلح لهم فهو كافر خارج من الملة؛ بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع، حسب ما يفتي به خاصة أهل العلم من الراسخين في الفقه والدين.
وإن ترك الحكم بما أنزل الله لهوى، أو مصلحة، أو خوف، أو تأويل، مع إقراره ويقينه بخطئه، ومخالفته، فهو واقع في الكفر الأصغر، مرتكب لما هو أكبر من الربا، وأعظم من الزنى، وأشد من شرب الخمر، ولكنه كفر دون كفر، كما قال أئمة السلف وعلماؤهم ا- هـ.
قلت نعقب على قولهم هذا .. في النقاط التالية
1 -حصر صفات الحاكم الذي يكفر كفرًا أكبر فيما تقدم ذكره خطأ .. كان لا بد من أن يُضاف إليها الصفات التالية
منها الحاكم الذي يعرض عن الحكم بما أنزل الله فلا يحكم بما أنزل الله مطلقًا .. وإن كان غير مستحلٍّ للحكم بغير ما أنزل الله.
ومنها الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله في التوحيد .. !
ومنها الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله بدافع الحقد والكراهية، والعداء لما أنزل الله تعالى من الدين والشرائع .. !
ومنها الحاكم الذي يقع في التبديل .. سواء كان هذا الشرع المبدل من عند نفسه، أم أنه مستورد من عند غيره من الطواغيت .. وسواء رد هذا الشرع المبدل لدين الله .. أم رده لنفسه وهواه، وأهواء البشر .. !
ومنها الحاكم الذي يسوغ ويروج للقوانين والشرائع الوضعية .. ويدعو الناس إلى التحاكم إليها .. وإن زعم بلسانه أنه يفعل ذلك على غير وجه الاستحلال!
ومنها الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله .. طاعة للمشركين .. وموالاة لهم، كما قال تعالى {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} . وقال تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} .
ومنها الحاكم الذي يقوم بمهمة التشريع وسن القوانين لمضاهية لشرع الله تعالى .. !
فأي حاكم يتلبس في صفة من هذه الصفات الآنفة الذكر فإنها تخرجه من الملة وإن لم يضم إليها عنصر الاستحلال، أو الجحود، أو الاعتقاد .. وتدمغه بالكفر الأكبر، والظلم الأكبر، والفسق الأكبر .. هذا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وإجماع علماء الأمة [1] .
وكان على هؤلاء الشيوخ أن يذكروها .. وأن لا يتغاضوا عن ذكرها وبيانها للناس.
2 -قولهم بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع .. ! نرى أنهم يقحمون هذه المقولة في كل شاردة وواردة، ويضعونها في موضعها وغير موضعها .. مما يجعلنا نجزم أنها كلمة حق يريدون منها باطلًا، والباطل الذي يريدونه من وراء هذه المقولة هو أن يقولوا للناس وإن حصل اتفاق على كفر حاكم من حكام هذا العصر .. فإننا لا نستطيع أن نكفره بعينه .. إلا بعد قيام الحجة وتحقق الشروط ـ التي هي شروطهم ـ وانتفاء موانعهم .. !!
وكأن هذا الحاكم .. يعيش في أدغال وصحراء إفريقيا .. لا العلم يصله .. ولا هو يستطيع أن يصل العلم .. ؟!!
ثم بعد تحقق شروطهم .. وانتفاء موانعهم .. لا يجوز لأحد أن يقدم على تكفير هذا الحاكم المدلل .. وإنما هو أمر متروك لأهل العلم الراسخين في الفقه .. الذين لا يكفرون أحدًا من طواغيت الحكم المعاصرين ـ على ظهور كفرهم وفجورهم ـ ولا يُعرف عنهم ذلك .. بل ويعدون الحديث في هذه المسائل من الفتنة التي يجب اعتزالها؟!!
أشهد أن واضع هذه الرسالة خبير محترف .. لكن في التلبيس والتدليس!!