ويظهر من ترجمة الكتاب، الذي يمكن أن نعتبره نموذجا تطبيقيا لأفكار المزيني السابقة، أن المترجم لم يجد صعوبات تذكر في استعمال اللغة العربية في التعبير عن الأفكار والمفاهيم اللسانية وصوغ المصطلحات المناسبة لها، ساعده على ذلك خبرته وتمرسه، وانخراطه في الترجمة منذ سنوات. لقد نجح المترجم بمهارة فائقة، وحنكة متميزة، واقتدار كبير، في سك المصطلحات المناسبة، وسبك الجمل العربية بشكل مؤد، على الرغم من صعوبة الجهاز الاصطلاحي للكتاب الذي ينتمي إلى مستويات لسانية مختلفة (صوتية وصرفية وتركيبية ودلالية ... ) ويعد ثمرة لتاريخ طويل من التنظير اللساني الغربي.
يظهر من الترجمة درجة وعي المترجم بقضايا الترجمة بما هي قواعد وأسس ومشكلات قائمة، بالإضافة إلى قناعته بأن الترجمة الدقيقة أسهل السبل في تعريف القارئ العربي عموما والمتخصص في اللسانيات على وجه أخص، باللسانيات على طبيعتها الصحيحة بعيدا عن الابتسار والتشويه الذي ينتج عن التأليف في أكثر الأحيان [1] . وقد ساعده على ذلك:
*تخصصه في اللسانيات وكفاءته وامتلاكه المهارات والخبرات العملية الكافية التي مكنته من الممارسة الذكية للترجمة.
*إلمامه بأسرار اللغة المصدر واللغة الهدف؛ مما أكسبه قدرة عالية على استبطان دلالات المصطلحات المستخدمة استبطانًا عميقًا، ليدل على أصل الدلالة وتاريخيتها، وفهم النصوص والتعامل معها بذكاء ثاقب، مع تتبع تفاصيل العمل المترجم، وصياغته بأساليب عربية جذابة وهذا ما نعتبره ثمرة من ثمار التخصص، وسعة الاطلاع.
*صبر المترجم [2] وتمرسه وتجربته الناجحة في مجال الترجمة، كل ذلك مكنه من خوض غمار الترجمة بكل ثقة؛ فقد سبق له أن ترجم مجموعة من الكتب والأبحاث اللسانية بنجاح واقتدار كبيرين، ومن ذلك ترجمته لكتابي تشومسكي اللغة ومشكلات المعرفة، وآفاق جديدة في دراسة الذهن [3] ، وكتاب ستيفن بنكر الغريزة اللغوية: كيف يبدع
(1) -من حوار أجريناه مؤخرا مع المترجم وسينشر قريبا بحول الله ضمن كتاب بعنوان: أسئلة اللغة أسئلة اللسانيات (قيد الطبع) .
(2) - يظهر صبر المترجم ونفسه الطويل في ترجمته لمجموعة من الكتب اللسانية التي يتجاوز عدد صفحاتها 500 صفحة، نذكر بعضها في الهامش الموالي.
(3) - تشومسكي، اللغة ومشكلات المعرفة، ترجمة حمزة بن قبلان المزيني، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1990.
-تشومسكي، آفاق جديدة في دراسة اللغة والذهن، المجلس الأعلى للثقافة، العدد 796، الطبعة الأولى 2005.