الصفحة 2 من 22

وتعداد سكانها ستة أضعاف تعداد سكان إسبانيا، تصدر فقط سدس ما تصدره إسبانيا وحدها، والتي تعتبر دولة متقدمة علميا. كما أن عدد عناوين الكتب المترجمة، في كافة أقطار الوطن العربي، منذ ما بعد عهد الخليفة العباسي، المأمون، وحتى عقد التسعينيات من القرن العشرين المنصرم، لا يصل هذا العدد إلى 15 ألف عنوان. وهذا ما يساوي ما ترجمته دولة البرازيل وحدها، وهي من الدول النامية، في 4 سنوات» [1] .

وإذا كان هذا هو وضع الترجمة عموما في الثقافة العربية، فإن وضع الترجمة اللسانية ليس أحسن حالا، على الرغم من إدراك العرب لأهمية اللسانيات في القرن العشرين، وقدرتها الجبارة على صياغة المعرفة النقدية الحديثة وخطرها في تشكيل الوعي المنهجي المتجدد في العلوم الإنسانية والاجتماعية [2] ، وعلى الرغم، أيضا، من أن الترجمة اللسانية من أهم الأبواب التي بها يمكن، بل ينبغي للبحاثين العرب أن يساهموا في نشر اللسانيات العامة الحديثة بربوعنا نشرا سليما بعيدا عما يكتنف -مع الأسف- الكثير من أعمال التبسيط اللساني الصادرة بالعربية أصلا من خلل واضطراب [3] .

وتتحكم في تخلف الترجمة اللسانية في ثقافتنا العربية اعتبارات كثيرة نجملها فيما يلي:

+ تأخر البعثات اللسانية إلى الخارج، التي لم تعرف إلا منتصف القرن العشرين، حينما أوفدت جامعة القاهرة (جامعة فؤاد الأول سابقا) عددا من المعيدين بها إلى كل من انجلترا، وألمانيا، وفرنسا، للتخصص في اللسانيات العامة general linguistics ، أو اللسانيات المقارنة comparative Linguistics، وما تبع ذلك من قيام حركة لسانية حديثة تأليفا وترجمة [4] .

+ غياب شرط التفاعل الحضاري الذي يشجع على الإقبال على ترجمة الكتب اللسانية؛ فما تزال اللسانيات تعتبر من العلوم الكمالية عند شريحة عريضة من المثقفين، وهذا يلخص الوضع الحالي للدرس اللساني في ثقافتنا، وهو الوضع الذي يبدو نتيجة طبيعية لملابسات التلقي؛ التي اعتبرت اللسانيات بموجبها علما غربيا لا يمكن أن يفيد الثقافة العربية في شيء [5] .

(1) - حسن حسن،"السفير"29/ 03/2000. في السياق نفسه أشار تقرير التنمية العربية إلى أن ما ترجم إلى العربية منذ عصر المأمون يعادل ما يترجم في اليونان في سنة.

(2) - عبد السلام المسدي، ما وراء اللغة: بحث في الخلفيات المعرفية، مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله للنشر والتوزيع- تونس، أكتوبر 1994، ص 27.

(3) - من تقديم صالح القرمادي لترجمة الطيب البكوش لكتاب جورج مونان، مفاتيح الألسنية، ص 06. وللاطلاع على بعض مظاهر الخلل في الكتابة اللسانية التمهيدية ينظر مقالنا: اللسانيات العربية وإشكاليات التلقي: اللسانيات التمهيدية نموذجا، مجلة فكر ونقد، العدد 58، السنة 2004، ص ص 97 - 117.

(4) - عبد الرحمن حسن العارف، مرجع مذكور، ص 310.

(5) - فقد اعتبرت اللسانيات شكلا من أشكال الإمبريالية العالمية لأنها» تسعى جاهدة إلى تشجيع كل صوت يضرب على وتر الانسلاخ عن اللغة العربية الواحدة، والثقافة العربية الأصيلة بشتى الأشكال الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والعلمية (اللسانية) «مازن الوعر، قضايا أساسية في علم اللسانيات الحديث، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى 1988 ص 379. للاستزادة في هذا الموضوع ينظر: حافيظ إسماعيلي علوي، اللسانيات في الثقافة العربية وإشكالات التلقي، ضمن كتاب: اللسان العربي وإشكالية التلقي، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة كتب المستقبل العربي (55) ، الطبعة الأولى 2007.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت