فبالنظر في أقوال الموثقين فابن حبان والعجلي معروفان بالتساهل في التوثيق كما لا يخفى على عالم بالحديث, وابن سعد ليس ببعيد منهما في ذلك وإن كان أحسن حالًا.
أما ابن معين -رحمه الله- فهو من مشاهير أهل الجرح والتعديل الذين يعتد برأيهم لكن قول ابن معين صالح مع قوله ليس به بأس لا تفيد التوثيق صراحة, انظر التاريخ لابن معين.
أما أحمد بن حنبل والنسائي وابن المديني فكلهم -رحمهم الله- من أهل التثبت في الجرح والتعديل -وإن كان النسائي يؤثر عنه بعض التشدد- وقد رأيت مقالتهم وبالغ أحمد فقال: متروك, أما قول أبي حاتم: شيخ, وقول ابن نمير: لا أقدم على ترك حديثه فكلا القولين يفيد أن الرجل يصلح في الشواهد والمتابعات كما هو معلوم, وإن كنا نحن نجنح إلى أن الرجل حسن الحديث إذا لم يخالف, فإذا خالف فحديثه غير مقبول لدينا وكأن الحافظ ابن حجر -رحمه الله- رأى هذا الرأي قبلنا فقال في التقريب: صدوق له أوهام.
هذه هي الملاحظة الأولى التي وعدنا قريبًا بذكرها أما.
الملاحظة الثانية: فهي أنه قد تقدم بما لا يدع مجالًا للشك أن الفضل بن عباس -رضي الله عنهما- كان رديف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مزدلفة إلى منى - كما ذكرنا ذلك في جملة أحاديث صحيحة تقدمت قريبًا- وفي هذا الحديث أن الفضل إنما أردفه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد ما جاوز الوادي (وادي محسر كما في رواية الترمذي) فهذا من مخالفات هذا الحديث للروايات الصحيحة.
الملاحظة الثالثة: قدمنا قريبًا - أيضًا- أن الخثعيمة سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غداة جمع (وفي رواية غداة يوم النحر) وجمع هي: مزدلفة كما هو معلوم والمعنى واحد فغداة جمع هي غداة يوم النحر كلاهما يفيد أن السؤال كان في الغداة, وفي اللسان (مادة غدا) الغدوة بالضم: البكرة ما بين صلاة الغداة (أي: صلاة الفجر) وطلوع الشمس, ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما وقف في مزدلفة حتى أسفر جدًا (كما في صحيح مسلم من حديث جابر ص 891) , ثم اتجه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والفضل رديفه إلى منى فلكي يصل صلى الله عليه وعلى آله وسلم