الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي الأمين، وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن الله تبارك وتعالى شرف هذه الأمة بإنزال القرآن العظيم على نبيها - صلى الله عليه وسلم - وهو أحسن كتب الله تعالى نظامًا، وأعظمها بيانًا، وأروعها ألفاظًا، وأدقها إيجازًا، وجعل فيه أصول كل شي، وشفاء كل عَيّ، ثم إنه تعالى شرف طائفة من هذه الأمة بأن جعل مصاحفها في صدورها مزية لها، وتكرمة ورفعًا لقدرها، فيا فوز من جعل كتاب الله بين الحنايا، وعمل به قبل نزول المنايا، وتعاهده من النسيان، وابتغى بكل ذلك رضى الرحمن.
هذا وإن المشتغلين بالقرآن حفظًا ودراسة وفهمًا ثروة للأمة وكنز، وفخر وعز، هذا إن جمعوا بين الحفظ والعمل، والحفاظ على الحروف والوقوف عند الحدود، واقتدوا بالسادات العظام، من أسلافنا الكرام، فصاروا مصاحف تمشي على الأرض، وحافظوا على السنة والفرض، ولم يرضوا بالدنايا، ولم يجعلوا الدين مطايا، وكانوا لأنفسهم مجاهدين، ولشهواتهم الحرام قامعين، ولمكانتهم عاملين، وللدنيا مجافين،