تعالى هو الذى قضى باعتبار الدولة والنظام السياسى والمشاركة في العملية السياسية واجبا دينيا. فمهمة الحاكم هى تطبيق شرع الله. وواجب الرعية هو طاعة شرع الله والنصح للحاكم ومعاونته في إقامة الشريعة. ومن واجب الحاكم والمحكوم معا تعبئة جهودهماعلى الدوام لتعميق ذلك التطبيق، للوفاء بكليته، والتوسع الأفقى في التطبيق للوفاء بمتطلبات عالميته. وهذا هو التجسيد النهائى للمطلق الذى يسعى الإسلامى إلى تحقيقه، ويعلن أنه ممكن على هذه الأرض وفى هذه الحياة الدنيا.
ولا محل في هذا التصور الإسلامى لمملكة للرب ينظر إليها على أنها بديلة لهذه المملكة الإنسانية الدنيوية، ولا إلى عهد خلاص يتحقق فيه ما لم يكن ممكنا هنا، في عالم آخر، يمكن تحقيق الخير الأسمى فيه على حساب هذا العالم. ... ويرفض الإسلام جملة وتفصيلا مقولات العوالم الأخرى المغايرة لهذا العالم. ولا محل مع هذا الرفض لكافة أشكال إماتة الجسد، والتنكر للحياة، والرهبنة، والزهد. و بلغ الإسلام في هذا الرفض، وفى التأكيد على الحياة في هذا العالم، حدا جعله يتهم بالدنيوية الخالصة.
والحق أن دنيوية الإسلام ليست خالصة، بل مهذبة. وهذا هو بالضبط الدور الذى يؤديه الوعى بمعية الله وروحية الحياة الإسلامية. فالإسلام يوجهنا، إلى أن يكون رائدنا في طلب الدنيا هو تنفيذ أمر الله لنا بالسعى فيها، مع الإلتزام بالحدود الأخلاقية المتضمنة في أوامر الله تعالى ونواهيه الأخرى. وهذا هو المعنى الصحيح للروحية الإسلامية، فهى ليست نوعية من حياة المنقطع للصلاة والذكر، المضحى بالجسد لصالح الروح، المنكر لنفسه ولدنياه، المتعلق بمملكة لا أمل في تحقيقها في هذه الحياة الدنيا بمكانها وزمانها. لا، هى على النقيض من هذا كله روحية الاستمتاع الكامل البرئ بهذه الحياة الدنيا المصحوب بسعى دائم إلى لتجويدها وتنظيمها بمبادئ أخلاقية مضادة للإسراف، والتجريح والظلم والكراهية والتمييز.