الصفحة 33 من 36

تعاملات الناس مع غيرهم تنضح بإشكاليات عديدة، إذ منهم من يغلب جانب العدل على جانب الرحمة والإحسان وفي هذا الأسلوب شدة!، وهو أشبه بشريعة موسى-عليه السلام- وهي مناسبة لقومه وزمانه لما يتصف به اليهود من جلافة الطباع وقسوة القلوب فهي كالحجارة أو أشد قسوة كما تميزوا بالحقد والحسد والتكبر وتحريف الكلم عن مواضعه وغيرها من الصفات الغليظة، لكنها لا تناسب الأمة المحمدية الوسطية، ومنهم من يغلب جانب الرحمة والإحسان على جانب العدل وفي هذا الأسلوب تساهل!، وهو أشبه بشريعة عيسى-عليه السلام- وهي مناسبة لقومه وزمانه؛ لما يتصف به قومه من رقة في القلوب، ورهبانية، وعدم تكبر وغيرها من الصفات الرقيقة، لكنها لا تناسب الأمة المحمدية، ولما كانت أمة النبي-صلى الله عليه وسلم-وسط بين اليهود والنصارى بعثه الله بالعدل والإحسان معا قال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} ، وقد شرع لنا معاملة الكافرين بالعدل والإحسان في الوقت ذاته، فنهى عن ظلمهم مطلقا سواء في السياسة أو الاقتصاد أو غيرها، وشرع سبحانه مقابلة المعتدي بنفس عدوانه عند القدرة على ذلك كما قال: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} وغيرها من ألوان العدل، كما شرع العفو والإحسان بقوله: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} وقال تعالى: {والكاظمين الغيض والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} وجمع بين العدل والإحسان في عدة آيات منها قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} وغيرها.

ولو عاملنا الكافرين بالعدل وحده لاستحقوا القتل جميعا؛ لأن الظلم الحاصل بعبادة غير الله أو الشرك به أعظم من الظلم الحاصل بالقتل والزنا وغيرها من أنواع الظلم كما تقدم بيانه، لكن الله لكرمه ولطفه وإحسانه على هذه الأمة جعل مهلة كبيرة للكفار ليتفكروا في الشريعة الإسلامية وحتى تقوم عليهم الحجة الرسالية، وأما من منع وصول الحجة الرسالية إلى الناس، وحرمهم فرصة التفكر في الدين الحق كما تفعله بعض الحكومات الكافرة مع شعوبهم، فيجب إزالتهم عند القدرة على ذلك؛ ليصل الحق صافيا نقيا إلى الناس من غير تحريف أو تشويه، وبعدها يترك الخيار للناس من شاء أسلم ومن شاء بقي على كفره!!

كما أن معاملة الكافرين غير الحربين بالبر والإقساط إليهم مع بقاء العزة الإيمانية فيه عدل وإحسان في نفس الوقت، فنهى عن ظلمهم والإجحاف في حقهم مهما بلغ بغضنا إياهم، وشرع رد المعروف والإقساط إليهم وهذا من العدل!!، كما شرع البر بهم وهذا لون من ألوان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت